أعطِ كل ذي حق حقه: مفهوم العدل في الإسلام وتطبيقه في معاملة غير المسلمين
يُعدّ مبدأ “أعطِ كل ذي حق حقه” من أصول العدل في الشريعة الإسلامية، وهو يعني إيفاء كل شخص حقه كاملاً دون بخس أو نقص، سواء كان مسلمًا أو غير مسلم. والعدل في الإسلام قيمة عليا، أمر الله تعالى به في كل الأحوال، حتى مع الأعداء، لأنه أساس الاستقرار الاجتماعي وإظهار سماحة الدين.
الدليل من الكتاب والسنة
أمر الله تعالى بالعدل مطلقًا، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (سورة النحل: 90). وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا} (سورة النساء: 135).
وفي معاملة غير المسلمين، قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (سورة الممتحنة: 8).
وأما السنة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الْعَدْلُ سَاعَةٌ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً” (رواه البيهقي)، وقال: “إن المقسطين عند الله على منابر من نور” (رواه مسلم).
إقرأ أيضا:السياحة في البلاد الأجنبية: الحكم الشرعي وأدلته وآراء العلماء وضوابطهوكان النبي صلى الله عليه وسلم يعدل في المعاملات، حتى مع غير المسلمين، كما في قصة اليهودي الذي كان له دين على النبي، فأوفاه حقه كاملاً.
آراء العلماء في إعطاء كل ذي حق حقه
أجمع العلماء على وجوب العدل مع الجميع، مسلمين وغير مسلمين، وأنه من أعظم الخصال.
- قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره: “العدل واجب في كل حال، حتى مع الكفار غير المحاربين”.
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “العدل واجب على المسلم مع كل أحد، مسلما كان أو كافرا، وفي ذلك مصلحة الإسلام والمسلمين”.
- أما الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: فقال إن إعطاء كل ذي حق حقه يشمل الأجير غير المسلم، والجار، والشريك في التجارة، والعدل في القضاء والشهادة.
- وفي فتاوى اللجنة الدائمة: “يجب على المسلم العدل مع غير المسلم في البيع والشراء والإجارة والقضاء، وإعطاؤه حقه كاملاً دون ظلم”.
والعلة في ذلك حفظ الحقوق، وإظهار عدالة الإسلام، وتأليف القلوب، مع كونه سببًا في هداية كثيرين.
صور إعطاء كل ذي حق حقه مع غير المسلمين
- في المعاملات المالية: دفع الأجور كاملة، وعدم الغش في البيع، وإيفاء الديون.
- في الجيرة: عدم إيذاء الجار غير المسلم، والإحسان إليه إذا لم يكن محاربًا.
- في القضاء والشهادة: الشهادة بالحق حتى لو كان على مسلم لصالح كافر.
- في العمل: معاملة الموظف أو الشريك غير المسلم بالعدل والأمانة.
الضوابط الشرعية
- يجب العدل مطلقًا، ولا يجوز الظلم بحجة الكفر.
- أما المحاربون أو من يظهر العداوة، فلا موالاة لهم، لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ} (الممتحنة: 9).
- العدل لا يعني المساواة في كل شيء، فهناك حقوق خاصة بالمسلمين كالزكاة والميراث.
الخلاصة
مبدأ “أعطِ كل ذي حق حقه” أصل عظيم في الإسلام، يوجب العدل مع الجميع، خاصة غير المسلمين غير المحاربين، ليظهر الإسلام بعدله ورحمته، ويكون سببًا في جذب الناس إليه. فالمسلم الحق هو العادل في معاملاته، القائم بحقوق الخلق، رجاء رضى الله تعالى. والله أعلم.
إقرأ أيضا:النظر إلى النساء: الحكم الشرعي وأدلته وآراء الفقهاء وضوابطه