إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما: عز الإسلام ومنعة الدعوة
تُعدّ حادثتا إسلام الصحابيين الجليلين حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما من أهم نقاط التحول في تاريخ الدعوة الإسلامية بمكة. جاء إسلامهما في فترة عصيبة كان فيها المسلمون الأوائل يعانون من أشد أنواع الاضطهاد، فكان إسلامهما بمثابة “المنعة والعز” للمسلمين، وغير الموازين لصالح الدعوة.
أولاً: إسلام حمزة بن عبد المطلب (نصرة الحمية ثم الإيمان)
جاء إسلام حمزة رضي الله عنه، عم النبي صلى الله عليه وسلم، في العام السادس من البعثة، وكان إسلامه نقطة قوة للمسلمين.
1. سبب الإسلام (نصرة الغضب)
- حادثة الاعتداء: كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً عند الصفا، فمر به أبو جهل، فسب النبي وأسمعه أقذع الكلام. لم يردّ النبي عليه.
- ثورة حمزة: رجع حمزة من الصيد، وكان قوياً ومحبوباً في قريش. روت له جارية عن شتم أبي جهل لابن أخيه. فثار حمزة لحمية القرابة قبل حمية الإيمان.
- المواجهة: توجه حمزة مباشرة إلى أبي جهل في نادي قريش، وضربه بقوسه على رأسه ضربة قوية أدمته، قائلاً: “أتشتمه وأنا على دينه؟!”
إقرأ أيضا:الحصار والمقاطعة دروس وعبر
2. إعلان الإيمان
- بعد تلك الحادثة، دخل حمزة رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم، فكان إسلامه إعلاناً صريحاً.
- الأثر: كان حمزة من أقوى رجال قريش وأكثرهم مهابة، فكان إسلامه بمثابة تحدٍ مباشر لقريش، وأمن للمسلمين من تزايد الأذى الجسدي.
ثانياً: إسلام عمر بن الخطاب (نصرة البصيرة والإرادة)
جاء إسلام عمر رضي الله عنه بعد إسلام حمزة بفترة وجيزة في نفس العام (السادس من البعثة)، وكان حدثاً تاريخياً بامتياز، غيّر وجه الدعوة.
1. سبب الإسلام (رحلة البحث عن القتل)
- شدة العداوة: كان عمر بن الخطاب من أشد أعداء الإسلام قبل إسلامه، شديد الغلظة على المسلمين.
- قرار القتل: في ليلة من الليالي، خرج عمر متوشحاً سيفه، عازماً على قتل النبي صلى الله عليه وسلم لإنهاء هذه “الفتنة”.
- التحول عند الباب: في طريقه، قابله رجل فأخبره أن الأولى به أن يعود إلى أهله؛ لأن أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد قد أسلما سراً.
2. لحظة الإيمان (سماع القرآن)
إقرأ أيضا:وقفة مع وفاة أبي طالب
- بيت الأخت: توجه عمر إلى بيت أخته، وسمع صوت خباب بن الأرت يقرأ عليهما صحيفة فيها آيات من سورة طه.
- التأثير: ضرب عمر أخته وزوجها لغضبه الشديد، لكنه رقّ قلبه وطلب أن يرى الصحيفة.
- نور القرآن: قرأ عمر الآيات: {طه. مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}، فوقع كلام الله في قلبه مباشرة. فقال كلمته المشهورة: “ما أحسن هذا الكلام وأكرمه!”. فطلب الذهاب إلى النبي.
3. إعلان الإيمان (نصرة الجهر)
- توجه عمر إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم، فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بمجامع ثوبه، داعياً له.
- الجهر بالدعوة: قال عمر بعد إسلامه: “يا رسول الله، ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: فَفِيمَ الخفاء؟“
- خرج المسلمون في صفين: صف يقوده حمزة، وصف يقوده عمر، متجهين إلى الكعبة، فصلى المسلمون في الكعبة جهراً للمرة الأولى.
ثالثاً: نتائج إسلامهما (العز والمنعة)
كان إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما من أعظم مظاهر تأييد الله لدينه في مكة، فنتج عنه:
إقرأ أيضا:دار الأرقم- عز للمسلمين: قال ابن مسعود رضي الله عنه: “ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر”. أصبح المسلمون يظهرون عبادتهم ولا يستخفون بها كما كانوا سابقاً.
- حماية النبي: أصبح للنبي صلى الله عليه وسلم حماية فعلية؛ فحمزة يدافع عنه بشجاعته، وعمر يدافع عنه بهيبته وقوته، فارتدع كثير من المشركين.
- زيادة الإقبال: تشجع كثير من المستضعفين على إعلان إسلامهم بعد رؤية هذه القوة الجديدة تنضم إلى صفوف الدعوة.
في الختام، يُنظر إلى إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما على أنه فتح داخلي مهّد للفتح الخارجي، وعبَّر عن حكمة الله تعالى في اختيار القوة والشجاعة لتكون سنداً لرسالة الرحمة والتوحيد.
