في سياق العقيدة الإسلامية، يُعد مفهوم “الإنسان مسير ومخير” من أبرز المواضيع التي شغلت أذهان العلماء والمفكرين على مر العصور. يجمع هذا المفهوم بين الإيمان بالقدر الإلهي، الذي يحدد مقادير الخلق، والاعتراف بقدرة الإنسان على الاختيار في أفعاله الطوعية. يهدف هذا المقال إلى استكشاف هذا الموضوع بشكل موسع، مع الاستناد إلى النصوص الشرعية والآراء الفقهية، لتوضيح كيف يتوافق القدر مع الإرادة البشرية دون تناقض.
تعريف القدر في الإسلام
القدر هو تقدير الله تعالى للأشياء في الأزل، بعلمه القديم الذي يشمل كل ما سيقع في الكون. يقوم الإيمان بالقدر على أربع مراتب رئيسية: العلم الإلهي، الكتابة في اللوح المحفوظ، المشيئة، والخلق والتكوين. فالله تعالى يعلم مقادير الخلائق قبل خلقها، كما ورد في الحديث النبوي الذي يرويه عبد الله بن عمرو بن العاص، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة” هذه المراتب تؤكد أن كل شيء في الكون يحدث بمشيئة الله، كما في قوله تعالى: “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ” (سورة القمر: 49).
في هذا السياق، يكون الإنسان مسيراً من حيث أنه لا يخرج عن القدر الإلهي. فالرزق، الأجل، السعادة، والشقاوة، كلها مقدرة من قبل الله، ولا يمكن للإنسان تغييرها إلا بما يتفق مع القدر. هذا الجانب يعزز التوكل على الله ويمنع اليأس أو الغرور، إذ يدرك الإنسان أن الأمور تجري وفق حكمة إلهية.
إقرأ أيضا:كيف يعامل الله الإنسان الذي بَعُدَ عنه؟مفهوم الاختيار الحر للإنسان
بالمقابل، يُمنح الإنسان القدرة على الاختيار في أفعاله الطوعية، مما يجعله مخيراً في دائرة التكليف الشرعي. الله تعالى زود الإنسان بعقل يميزه بين الخير والشر، وسمع وبصر يساعدانه على اتخاذ القرارات. فالإنسان يختار الطاعة أو المعصية دون إكراه، كما يدل عليه قوله تعالى: “لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” (سورة التكوير: 28-29) هذا الاختيار يرتب مسؤولية، فيثاب الإنسان على الخير ويعاقب على الشر، مما يعكس عدل الله تعالى.
الاختيار الحر لا يعني استقلالية مطلقة، بل هو مرتبط بمشيئة الله. فالإنسان يريد، لكن الله يشاء، كما في قوله تعالى: “فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ” (سورة المدثر: 55-56). هذا التوازن يمنع الوقوع في الجبر أو القدرية المطلقة.
آراء العلماء في مسألة الإنسان مسير ومخير
اتفق أهل السنة والجماعة على أن الإنسان مسير ومخير في آن واحد، مع اختلاف في التفاصيل. الشيخ عبد العزيز بن باز يوضح أن الإنسان مسير فيما قدره الله، ومخير في أفعاله الطوعية، مستدلاً بحديث: “اعملوا فكل ميسر لما خلق له”. أما الشيخ محمد بن عثيمين وغيره، فيؤكدون أن القدر لا ينفي الإرادة البشرية، بل يشملها.
في المقابل، رفضت القدرية العلم الإلهي المسبق، معتبرين الإنسان مخيراً مطلقاً، بينما ذهبت الجبرية إلى أنه مسير تماماً دون إرادة. أهل السنة يتوسطون، محافظين على التوحيد والعدل الإلهي.
إقرأ أيضا:الضمير في المنظور القرآني: أساس الأخلاق والسلوك الإنسانيأدلة من القرآن والسنة على التوفيق بين القدر والاختيار
يحفل القرآن الكريم بآيات توفق بين الجانبين. منها قوله تعالى: “فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى” (سورة الليل: 5-10)، الذي يبين التيسير القدري بناءً على الاختيار
من السنة، حديث النبوي الذي يقول: “ما من الناس أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار”، ثم يأمر بالعمل، مما يؤكد أن القدر لا يبطل العمل بل يدعو إليه. كذلك، قوله صلى الله عليه وسلم: “كل مولود يولد على الفطرة”، يشير إلى الاستعداد الفطري الذي يتفاعل مع الاختيار.
أمثلة توضيحية لفهم الإنسان مسير ومخير
لتوضيح المفهوم، يولد الإنسان في ظروف قدرية مثل أسرته أو بلده، فهو مسير في ذلك. لكنه مخير في كيفية التعامل معها، كاختيار الدراسة أو العمل. إذا اختار الاجتهاد، فقد يتغير رزقه بمشيئة الله، كما في قصة الصحابة الذين سألوا عن العمل رغم القدر.
في المرض، الإنسان مسير بالإصابة، لكنه مخير في طلب العلاج، مستجيباً للأمر الشرعي: “تداووا عباد الله”. هذا التوازن يعزز المسؤولية الشخصية دون إنكار الحكمة الإلهية.
التوفيق بين القدر والاختيار: حل الإشكالية
التوفيق يكمن في أن القدر يشمل الإرادة البشرية، فالله يعلم اختياراتنا مسبقاً ويقدرها. الإنسان لا يدري القدر، لذا يلتزم بالأمر والنهي، كما قال الشيخ ابن تيمية. هذا يمنع الإلزام بالجبر، إذ لو كان مسيراً مطلقاً، لما كان هناك ثواب أو عقاب.
إقرأ أيضا:قلب الجسم وقلب النفسفي النهاية، يعزز هذا المفهوم الإيمان بالله، ويحفظ على التوكل مع العمل، مما يجعل الحياة متوازنة.
خاتمة
مفهوم الإنسان مسير ومخير يعكس حكمة الإسلام في التوفيق بين القدر الإلهية والمسؤولية البشرية. من خلال الإيمان به، يدرك المسلم أنه جزء من نظام كوني محكم، مع حرية تمنحه الكرامة. يدعو هذا إلى العمل الصالح والرضا بالقدر، كما أمر الله تعالى، لتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة.
