رسائل للسائح

السائح المغبون: الحكم الشرعي في بيع السلع للسياح بأسعار مرتفعة وأدلته وآراء الفقهاء

السائح المغبون: الحكم الشرعي في بيع السلع للسياح بأسعار مرتفعة وأدلته وآراء الفقهاء

يُقصد بالسائح المغبون الشخص الزائر من بلاد أخرى الذي يُباع له السلع أو الخدمات بأسعار أعلى بكثير من قيمتها الحقيقية، مستغلًا جهله بالأسعار المحلية أو حاجته أو حماسه للشراء. وهذه المسألة من مسائل البيوع في الفقه الإسلامي، تتعلق بالغبن والتدليس والغش، وما يجوز في التسعير وما لا يجوز.

الدليل من الكتاب والسنة

استدل العلماء على تحريم الغش والغبن الفاحش بأدلة عامة، منها:

  • قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} (سورة المطففين: 1-3)، فالغبن الفاحش نوع من التطفيف والخسارة للمشتري.
  • حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك” (رواه الترمذي وغيره)، وفي الصحيحين: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله”.
  • حديث مشهور: “الدين النصيحة”، وقوله صلى الله عليه وسلم: “من غشّنا فليس منا” (رواه مسلم).

فإذا كان رفع السعر على السائح مبنيًا على غش أو تدليس أو استغلال جهله بطريقة تؤدي إلى غبن فاحش، فهو داخل في الغش المحرم.

آراء الفقهاء في رفع السعر على السائح

اختلف العلماء في جواز رفع السعر على الجاهل بالسعر أو الزائر، وخلاصة أقوالهم:

إقرأ أيضا:ممثل لدينك ووطنك: أهمية تمثيل الإسلام والوطن خير تمثيل وأحكامه الشرعية
  • ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن البيع صحيح إذا تم التراضي، ولو كان هناك غبن، لأن الأصل في البيوع الإباحة والرضا، ولا إلزام بالتسعير إلا في حال الضرورة. لكن إذا بلغ الغبن مبلغًا فاحشًا مع جهل المشتري، فإن للمغبون خيار الفسخ.
  • أما إذا اقترن الرفع بالغش أو الكذب أو التدليس (مثل إيهام السائح بأن السعر هو السعر المعتاد)، فهو حرام باتفاق، لدخوله في الغش المحرم.
  • قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: “لا بأس أن يبيع الإنسان السلعة بأكثر من ثمنها المعتاد إذا رضي المشتري، سواء كان سائحًا أو غيره، لأن البيع رضا وتراضٍ… لكن إذا غشه أو كذب عليه فهذا حرام”.
  • وفي فتاوى اللجنة الدائمة: “يجوز بيع السلعة للسائح بثمن أغلى مما يباع للمحليين إذا تراضيا، ولم يكن في البيع غش ولا تدليس”.
  • وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: “إذا كان البائع يغش السائح ويرفع السعر رفعًا فاحشًا مع كذب أو خداع، فهذا حرام، وإثمه عظيم”.

فالراجح: جواز اختلاف السعر حسب الزبون إذا كان برضا ودون غش، كما هو شائع في الأسواق، لكن الغبن الفاحش مع الجهل يعطي المشتري خيار الفسخ، والغش محرم مطلقًا.

الضوابط الشرعية في التعامل مع السائح

  • يجوز رفع السعر المعقول إذا علم السائح أو لم يُغش، فالتجارة ربح وخسارة.
  • يحرم الغش بأي صورة: كذب في السعر المعتاد، أو إخفاء عيب، أو تضليل.
  • يُستحب النصيحة والإحسان للزائر، لأنه داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”، ولما في الإحسان من دعوة إلى الإسلام وتحسين صورته.
  • إذا بلغ الغبن الفاحش (وهو عند الحنفية أكثر من الثلث غالبًا)، وللمشتري جهل، فله فسخ البيع إذا علم.

الخلاصة

الراجح عند أهل العلم جواز بيع السلعة للسائح بثمن أعلى من المعتاد إذا تم التراضي دون غش أو تدليس أو كذب، لأن البيع مبني على الرضا. أما إذا اقترن الأمر بغش أو استغلال فاحش مع خداع، فهو حرام وداخل في الغش المنهي عنه. والمسلم ينبغي أن يتحرى الصدق والنصيحة في معاملاته، خاصة مع الزوار، ليظهر حسن خلق الإسلام. والله أعلم.

إقرأ أيضا:الإحسان إلى الناس: مفهومه الشرعي وأهميته وصوره وأدلته من الكتاب والسنة
السابق
ممثل لدينك ووطنك: أهمية تمثيل الإسلام والوطن خير تمثيل وأحكامه الشرعية
التالي
القائد في السفر