القرآن الكريم حمال أوجه
في سياق الشبهات الفكرية المعاصرة، تُثار مقولة “القرآن حمال أوجه لا تجادلوا به” كدليل مزعوم على أن القرآن الكريم يحتمل تفسيرات متعددة متناقضة، مما يجعله غير حاسم في الحجة. هذه المقولة المنسوبة تاريخياً إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، في نصيحته لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما عند مناظرة الخوارج، غالباً ما تُستغل للتشكيك في وضوح القرآن وبيانته. هذا المقال يقدم تحليلاً موضوعياً لأصل المقولة، معناها الصحيح، ورداً شرعياً عليها، مستنداً إلى آراء العلماء والنصوص القرآنية.
أصل المقولة وصحة نسبتها
تُروى المقولة بصيغ مختلفة، مثل: “لا تجادلهم بالقرآن فإنه حمال أوجه، وخذهم بالسنة”، أو “القرآن ذو وجوه”. ومع ذلك، يتفق كثير من الباحثين والمحدثين على أن نسبتها بهذه الصيغة إلى الإمام علي رضي الله عنه غير صحيحة سنداً، إذ لم يُعثر على إسناد موثق يدعمها. يذكر الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله أنه بحث في مظان كثيرة فلم يجدها بهذه العبارة، رغم شهرتها، مشيراً إلى أن الشهرة لا تدل على الصحة.
كما يؤكد علماء الحديث، مثل الألباني رحمه الله، ضعف الروايات المشابهة، ويُعتبر متنها منكراً لتعارضه مع وصف القرآن نفسه بأنه مبين وهدى. لذا، لا يُعتمد عليها كدليل شرعي، وإنما هي أثر تاريخي ضعيف يُفهم في سياقه إن صح.
إقرأ أيضا:الملحد: غاضب من الدين لا عدو لله!المعنى المقصود إن صحت الرواية
إذا افترضنا صحة الأثر في سياقه التاريخي، فإن معنى “حمال أوجه” أو “ذو وجوه” يشير إلى سعة دلالة ألفاظ القرآن وبلاغته، حيث يحتمل اللفظ الواحد معاني متعددة مشروعة، كما في كتب “الوجوه والنظائر” التي صنفها العلماء. هذا من إعجاز القرآن، إذ يجمع الإيجاز مع الغنى الدلالي.
في سياق الخوارج، كان القصد تحذير ابن عباس من أن الخوارج يلوون أعناق الآيات لتأويلات باطلة، فيحتجون بظواهر متشابهة لدعم بدعهم، بينما السنة النبوية أوضح وأقل عرضة للتأويل المنحرف. ليس المقصود أن القرآن غامض أو متناقض، بل أن أهل الزيغ يستغلون سعته للفتنة.
الرد الشرعي على الشبهة
يرد القرآن نفسه على هذه الشبهة بوصفه ذاته ككتاب مبين وهدى:
- قوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (هود: 1)، يؤكد إحكام الآيات وتفصيلها.
- {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} (آل عمران: 7)، يفرق بين المحكم (الأساس القطعي) والمتشابه (الذي يُرد إلى المحكم)، ويحذر من اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة.
كما أمر الله برد التنازع إليه: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (النساء: 59)، فلو كان القرآن غامضاً متناقضاً، لما أمر بالرد إليه. يؤكد الشيخ القرضاوي أن هذا ينفي كونه “حمال أوجه” بمعنى الغموض، إذ هو نور وبينة وفرقان.
إقرأ أيضا:الوقاية من الإلحاد: استراتيجيات بناءة لتعزيز الإيمان والفطرة السليمةالعلماء يجمعون على أن القرآن قطعي الثبوت والدلالة في أصوله، وأي احتمال في الفروع يُحل بالسنة والإجماع والقياس، لا بالتأويلات التعسفية.
الخاتمة
مقولة “القرآن حمال أوجه لا تجادلوا به” شبهة تستغل أثراً ضعيفاً للتشكيك في بيان القرآن، بينما القرآن نفسه يثبت وضوحه وإحكامه. سعة دلالته إعجاز بلاغي، لا نقصاً، ويُرد المتشابه إلى المحكم ليبقى هدى للمتقين. فهم هذه الشبهة يعزز اليقين بأن القرآن كتاب هداية مبين، يرفع التنازع بالحق، ويحمي من الزيغ بالتدبر والعلم الراسخ.
