الايمان بالكتب

القرآن كلام الله

بالتأكيد. سأقدم مقالاً شاملاً ومفصلاً حول عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن الكريم، باعتباره كلام الله تعالى، مع تفصيل لأهم جوانب هذه العقيدة والرد على شبهات الفرق المخالفة.


 

القرآن كلام الله تعالى: عقيدة أهل السنة والجماعة وإبطال شبهة خلقه

 

تُعدّ عقيدة أن القرآن الكريم كلام الله تعالى من أهم وأجلّ مسائل الاعتقاد في الإسلام، وهي قضية فصلت بين منهج أهل السنة والجماعة وبين الفرق الضالة، خاصة الجهمية والمعتزلة الذين قالوا بـ “خلق القرآن”. الإيمان بالقرآن ككلام لله هو مفتاح لفهم جوهر التوحيد والصفات الإلهية.


 

أولاً: الأساس العقدي لكون القرآن كلام الله

 

عقيدة السلف في القرآن تقوم على ثلاثة أصول متكاملة ومترابطة:

 

1. القرآن كلام الله حقيقة

 

يعتقد أهل السنة أن القرآن الكريم هو كلام الله حقيقة، حروفه ومعانيه، وليس مجرد تعبير عن معنى قام في ذات الله.

  • الدليل القرآني: قال تعالى:
    $$\text{وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ}$$

    (سورة التوبة: 6). هذه الآية تثبت أن ما يتلوه النبي هو كلام الله وليس كلام مخلوق.

 

إقرأ أيضا:الغاية من إنزال الكتب السماوية

2. القرآن غير مخلوق

 

القرآن الكريم صفة من صفات الله تعالى، وصفاته قديمة قدمه، لذلك فإن القرآن غير مخلوق.

  • الرد على شبهة الخلق: لو كان القرآن مخلوقاً، لكان مثل سائر المخلوقات، ولجازت عليه الفناء والنقص، وحاشا أن يكون كلام الخالق كهذا. القول بخلق القرآن هو قول يستلزم أن الله كان في وقت ما بلا كلام، وهذا نفي لصفة كمالية لازمة لذاته.

 

3. الله يتكلم متى شاء وكيف شاء

 

يعتقد السلف أن صفة الكلام لله تعالى صفة ذاتية فعلية؛ أي أن أصل الصفة (القدرة على الكلام) قديم وأزلي، وآحاد الكلام (متى وكيف تكلم) متعلق بمشيئته وقدرته. فهو يتكلم متى شاء، لا يُمنع من الكلام، ولا يسكت عنه.


 

ثانياً: شبهة القول بخلق القرآن (الفتنة الكبرى) والرد عليها

 

نشأت شبهة خلق القرآن من محاولة المعتزلة والجهمية تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوقين، فأنكروا صفة الكلام بحجج عقلية:

 

1. شبهة المعتزلة والجهمية

 

  • الحجة: إذا كان القرآن كلاماً، والكلام حروف وأصوات، والحروف والأصوات أعراض (صفات للمخلوقات) مخلوقة، إذن فالقرآن مخلوق. وقالوا إن الله يتكلم بـ “كلام نفسي” لا يُسمع، أما اللفظ الذي سمعه جبريل ومحمد فهو مخلوق.

 

إقرأ أيضا:هل شهد القرآن بصحة الإنجيل ؟

2. إبطال الشبهة (منهج أهل السنة)

 

  • الدليل النقلي الحاسم: القرآن نطق بأن الله كلم موسى تكليماً:
    $$\text{وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا}$$

    (سورة النساء: 164). هذا دليل على أن الكلام صفة حقيقية لله تعالى.

  • الفرق بين الكلام والمكتوب: أهل السنة يفرقون بين القرآن نفسه، وبين الحبر والورق الذي كتب عليه. الحبر والورق مخلوقان، أما الكلام الذي نُقش عليهما فهو كلام الخالق غير مخلوق.
  • الرد على “الكلام النفسي”: القول بالكلام النفسي نفي لحقيقة الكلام الإلهي، لأنه لو كان مجرد معنى نفسي، لكان أي مخلوق يفكر لديه كلام نفسي، وهذا يُمثل صفة نقص لا تليق بالله.

 

ثالثاً: دلالات الإيمان بأن القرآن كلام الله

 

يترتب على هذه العقيدة آثار إيمانية وعملية عظيمة:

 

1. تعظيم القرآن وتلاوته

 

عندما يعتقد المسلم أن ما بين يديه هو كلام خالق الأكوان، يزداد تعظيمه وإجلاله له، ويجد في تلاوته وتدبره لذة لا توجد في أي كلام آخر.

 

2. العصمة المطلقة والقدسية

 

الإيمان بأنه كلام الله يُثبت العصمة المطلقة للقرآن، وأنه لا يمكن أن يدخله الباطل أو الخطأ، خلافاً لكتب البشر أو حتى الكتب السابقة التي طالها التحريف.

إقرأ أيضا:ثمرات الإيمان بالكتب السماوية

 

3. إدراك عظمة التحدي

 

كون القرآن كلام الله، يفسر قدرته على إعجاز البشر جميعاً على مر العصور، إذ لا يمكن لمخلوق أن يأتي بكلام الخالق.

 

4. حجة الله على خلقه

 

القرآن حجة الله البالغة على خلقه، وفيه الحكم والتشريع الذي يُلزم به جميع المكلفين.

خلاصة القول:

عقيدة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، هو جزء من توحيد الأسماء والصفات. إنها عقيدة تحصن المسلم من الزلل، وتُعمق إيمانه، وتجعله يتعامل مع القرآن بصفته الرسالة الإلهية الخالدة التي لا يُنكر عظمتها أو يطعن في قدسيتها إلا جاحد.

السابق
تكليف الملائكة
التالي
حفظ القرآن الكريم من التحريف