تُعدّ قصة بني قريظة من أبرز الأحداث التاريخية في السيرة النبوية التي تُظهر صفحة واضحة من الغدر ونقض العهود. وقد حدثت هذه الواقعة في أعقاب غزوة الخندق (الأحزاب) في السنة الخامسة من الهجرة.
إليك تفاصيل قصة بني قريظة وخيانتهم وعاقبة أمرهم:
بنو قريظة: الخيانة في أصعب الظروف وعاقبتها
كان يهود بني قريظة إحدى القبائل اليهودية الكبرى التي تسكن المدينة المنورة (يثرب)، وكانوا مرتبطين بعقد صلح وميثاق مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم يقضي بالتعايش السلمي والدفاع المشترك عن المدينة إذا تعرضت للخطر.
أولاً: الخيانة العظمى في غزوة الخندق
السبب الرئيسي لـ غزوة بني قريظة هو خيانتهم ونقضهم للعهد مع المسلمين في أحلك الظروف، وهي أثناء غزوة الخندق.
- الخطر الداهم: في غزوة الخندق (الأحزاب)، تحالفت قبائل قريش وغطفان والعديد من القبائل الأخرى في أكبر حشد عسكري ضد المسلمين، وحاصروا المدينة من الشمال.
- مركز بني قريظة: كان بنو قريظة يسكنون في الجنوب الشرقي للمدينة، وكانت حصونهم تشكل خط الدفاع الأخير للمدينة من ذلك الاتجاه، وكان عهدهم مع المسلمين يحتم عليهم الاشتراك في الدفاع.
- نقض العهد: استغل حُيي بن أخطب النضري (زعيم اليهود المجلين من بني النضير) فترة الحصار العصيبة، فذهب إلى كعب بن أسد زعيم بني قريظة، وأقنعه بنقض العهد والانضمام إلى الأحزاب المهاجمة.
- الموقف الحرج: أصبحت المدينة مهددة من الداخل والخارج. فالأحزاب تحاصرها من الشمال، وخلف ظهور المسلمين (جهة بني قريظة) أصبح مكشوفاً ومعرضاً للغدر، خاصة وأن نساء وأطفال المسلمين كانوا في حصون قريبة من بني قريظة. وصف القرآن الكريم هذا الموقف بقوله:
$$\text{وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠}$$
(الأحزاب: 10).
- المكر الإلهي: انتهت غزوة الخندق بانسحاب الأحزاب بفضل مساعدة الله للمسلمين، حيث أرسل عليهم الريح والملائكة، ودبّر النبي صلى الله عليه وسلم مكيدة أوقعت الخلاف بين صفوف الأحزاب وبني قريظة.
إقرأ أيضا:دعاء النبي في الغزوات
ثانياً: غزوة بني قريظة والحكم الحاسم
بمجرد انتهاء خطر الأحزاب، أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه فوراً لقتال بني قريظة عقاباً لهم على خيانتهم العظمى.
- الأمر الإلهي: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: “قد وضعت السلاح؟… ما وضعت الملائكة سلاحها بعد. اخرج إليهم” (يعني بني قريظة).
- الحصار: توجه المسلمون (ثلاثة آلاف مقاتل) وحاصروا حصون بني قريظة خمسة وعشرين يوماً (أو شهراً)، حتى قذف الله الرعب في قلوبهم.
- النزول على التحكيم: بعد أن ضاق الخناق على اليهود، قرروا الاستسلام، لكنهم طلبوا النزول على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه، سيد الأوس وحليفهم في الجاهلية، ظناً منهم أنه سيرأف بهم.
- حكم سعد بن معاذ: أُحضِر سعد بن معاذ (وكان جريحاً من إصابته في الخندق) للمحاكمة. وقبل أن ينطق بحكمه، أخذ العهود والمواثيق من المسلمين واليهود بأن يرضوا بحكمه. ثم نطق بحكمه التاريخي:
- أن يُقتَل مقاتلوهم (الرجال).
- أن تُسبَى نساؤهم وذراريهم.
- أن تُقسَم أموالهم.
ثالثاً: إقرار الحكم وتنفيذه
إقرأ أيضا:فوائد ودروس من غزوة أحد
- إقرار الحكم: لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم حكم سعد بن معاذ، قال له: “لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات”.
- تنفيذ الحكم: نُفّذ في بني قريظة حكمهم الذي اختاروه بأنفسهم، والذي كان موافقاً لشريعة التوراة في التعامل مع الخائنين في حالة الحرب.
العبرة من القصة
إقرأ أيضا:لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابَه
تُعد قصة بني قريظة درساً في حتمية تطبيق العدل الإلهي على الخيانة العظمى في زمن الحرب، وتُظهر أن:
- الخيانة لا تُغتفر في وقت الشدة: لقد كانت خيانتهم في وقت عصيب كادت أن تمحو الإسلام والمسلمين من الوجود.
- العدالة لا تتأثر بالعواطف: بالرغم من أن سعد بن معاذ كان حليفهم القديم، إلا أنه حكم بالعدل بعيداً عن العاطفة أو التحالفات السابقة.
- الوجود اليهودي في المدينة: بانتهاء أمر بني قريظة، خلت المدينة المنورة بشكل تام من الوجود اليهودي المسلح، والذي كان يشكل خطراً دائماً على الدولة الإسلامية الناشئة.
