تأملات قرأنية

تفسير قوله تعالى الطيبون للطيبات


 

💎 “الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ”: قاعدة التوافق ومبرأ عائشة

 


تأتي الآية الكريمة ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (النور: 26)، كجزء أساسي من آيات سورة النور التي نزلت لتبرئة السيدة عائشة رضي الله عنها من حادثة الإفك.

هذه الآية قاعدة كلية عظيمة، اختلف العلماء في تفسيرها على قولين رئيسيين، وهما متلازمان ومتكاملان:

 

أولاً: التفسير الأقرب للسياق (الطّيب والطّيب في الأقوال)

 

القول الذي ذهب إليه جمهور المفسرين، وعلى رأسهم ابن عباس رضي الله عنهما، واختاره الإمام الطبري، يرى أن معنى الآية ينصب على الأقوال، وهذا يتوافق تماماً مع سياق الآيات التي سبقتها والتي كانت تتحدث عن قذف المؤمنين والطعن في الأعراض:

المفهوم المعنى في هذا التفسير الدلالة على البراءة
الخبيثات للخبيثين الكلمات الخبيثة والقبيحة (الإفك والقذف) تليق بالخبيثين من الناس وتصدر عنهم. الطعن في عائشة (الكلمة الخبيثة) لم يأت إلا من المنافقين (الرجال الخبيثين).
الطّيبات للطّيبين الكلمات الطيبة والحسنة والمدح والثناء تليق بالطيبين من الناس وتصدر عنهم. التزكية والبراءة (الكلمة الطيبة) صدرت عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.

 

إقرأ أيضا:آيات تسهيل الولادة

سر هذا التفسير:

 

الآية تختتم بـ ﴿أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾، وكلمة “أولئك” تشير إلى الطيبين والطيبات، وعلى رأسهم السيدة عائشة (الطيبة من النساء) وصفوان بن المعطل (الطيب من الرجال). هذا يدل على أن الطيبين لا تصدر عنهم الأقوال الخبيثة، ولا يستحقون أن تُقال فيهم الأقوال الخبيثة.


 

ثانياً: التفسير الاجتماعي (التطابق بين الأزواج)

 

القول الثاني يفسر الآية من الناحية الاجتماعية والزوجية، ويرى أن المقصود هو:

  • الخبيثات للخبيثين: النساء الخبيثات (الزواني والعاصيات) لا يصلح أن يكن إلا للأزواج الخبيثين، وكذا العكس.
  • الطّيبات للطّيبين: النساء العفيفات الصالحات لا يصلح أن يكن إلا للأزواج الطيبين، وكذا العكس.

 

التوفيق بين الواقع والآية:

 

قد يتبادر إلى الذهن سؤال: كيف نوفق بين هذا التفسير وواقع وجود زوجين أحدهما صالح والآخر فاسق؟ (مثل امرأة فرعون أو زوجتي نوح ولوط).

  1. القاعدة والأصل: الآية تقرر الأصل والقاعدة الكلية الشرعية والطبيعية: فطرة الإنسان تقوده إلى المماثلة والموافقة في الزواج. فالرجل الطيب (الصالح والملتزم) يبحث عادة عن المرأة الطيبة (العفيفة والصالحة).
  2. الاستثناء والحكمة: وجود حالات مخالفة للقاعدة (كالزواج بين خبيث وطيب) هو استثناء لحكم إلهي لحكمة بالغة، مثل:
    • الابتلاء والاختبار: قد يكون الزواج اختباراً للزوج الطيب يضاعف أجره بصبره على الشريك الخبيث (كزوجة فرعون)، أو اختباراً للشريك الخبيث الذي لم يتأثر بصلاح شريكه (كزوجة لوط).
    • القاعدة الشرعية: الآية تبين أن الشارع الحكيم يوجه المؤمنين إلى عدم مقارنة الخبيث، ويحث الرجل الطيب على اختيار الطيبة (والعكس)، كما في قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ (النور: 3).

 

إقرأ أيضا:ابن كثير تفسير القرآن

ثالثاً: الخلاصة الجامعة للآية

 

أقرب التفاسير إلى سياق الآية في سورة النور هو التفسير الأول (الأقوال)، ولكن المعنى يشمل الثاني أيضاً كحكمة وقاعدة شرعية عامة.

إقرأ أيضا:بحث عن فضل التفسير

الآية تعني في مجموعها: أن كل جنس من الأقوال والأفعال والأشخاص يميل إلى جنسه ويناسبه. فكما أن الكلام الخبيث لا يصدر إلا من خبيث، فكذلك السيدة عائشة رضي الله عنها، لكونها أطيب النساء، لا يمكن أن ينسب إليها إلا الطيب، ولا يمكن أن تكون زوجة لأطيب الطيبين (النبي صلى الله عليه وسلم) إلا وهي طاهرة عفيفة.


هل تود أن أوضح لك كيف ارتبطت هذه الآية بتبرئة السيدة عائشة رضي الله عنها؟

السابق
ما فائدة سورة ياسين
التالي
سر سورة الفاتحة