تمكين الكافر من المصحف
يُعدّ القرآن الكريم كلام الله تعالى، وله حرمة عظيمة في الشريعة الإسلامية، مما يستوجب تعظيمه وتنزيهه عن أي امتهان أو إهانة محتملة. ومن المسائل الفقهية المتعلقة بهذا التعظيم حكم تمكين غير المسلم –المعروف في اصطلاح الفقهاء بالكافر– من المصحف الشريف، سواء بإعطائه إياه، أو السماح له بمسه أو حمله.
الدليل من الكتاب والسنة
استند جمهور الفقهاء إلى قوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (سورة الواقعة: 79)، حيث فسروا “المطهرون” بأنهم المطهرون من الشرك والكفر، بالإضافة إلى الطهارة من الحدث والنجس. فالكافر، ما دام على كفره، لا يُعدّ مطهرًا بهذا المعنى، فيُمنع من مس المصحف.
كما استدلوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ” (رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما). يُفهم من هذا النهي خوف الامتهان أو الإهانة لكتاب الله، فإذا نهى عن حمله إلى أرض العدو خوفًا من ذلك، فتمكين الكافر منه مباشرة أولى بالمنع.
آراء الفقهاء في الحكم
اتفق جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على تحريم تمكين الكافر من مس المصحف أو حمله أو إعطائه إياه، ما دام على كفره. ومن أبرز أقوالهم:
- قال العلماء في موقع إسلام ويب: “لا يجوز للكافر مس المصحف الكامل ولو توضأ واغتسل، ولا يجوز للمسلم تمكينه من ذلك ما دام على شركه”.
- وفي موقع الإسلام سؤال وجواب: “ذهب جمهور الفقهاء إلى منع الكافر من مس المصحف، وتحريم تمكينه منه، لأنه إذا منع المسلم غير المتوضئ من مس المصحف فالكافر من باب أولى، ولما يخشى من امتهانه”.
- أما الشيخ ابن باز رحمه الله: فأكد أن الكافر لا يُمكَّن من المصحف، بل يُقرأ عليه القرآن للدعوة، فإذا أسلم سُلِّم إليه.
والعلة الرئيسية في هذا المنع هي خشية الامتهان أو الإهانة لكلام الله، إذ قد لا يتحرز الكافر من وضع المصحف في مكان قذر أو رميه أو غير ذلك من أشكال الاستخفاف.
إقرأ أيضا:عيادة المريض الكافر ورقيته والدعاء له: الحكم الشرعي وأدلته وآراء العلماءالاستثناءات والتيسير في الدعوة
مع هذا المنع الشديد للمصحف نفسه، أجمع العلماء على جواز تمكين الكافر من معرفة القرآن بطرق أخرى لا تؤدي إلى امتهانه، مثل:
- قراءة القرآن عليه أو إسماعه إياه، استنادًا إلى قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} (سورة التوبة: 6).
- إعطائه ترجمة معاني القرآن الكريم بلغته، دون النص العربي، أو مع النص إذا كان مصحوبًا بتفسير يغلب عليه، فإنه يُعامل معاملة كتب التفسير لا المصحف. وقد قال الشيخ ابن باز: “لا حرج في أن يمسه الكافر لأن المترجم معناه أنه كتاب تفسير وليس بقرآن”.
- إعطائه آيات متفرقة أو رسائل تحتوي على بعض الآيات للدعوة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في كتبه إلى الملوك.
وينصح العلماء بأن يُرجى إسلام الكافر عند إعطائه ترجمة المعاني، ليكون ذلك وسيلة للهداية.
إقرأ أيضا:الاحتفال بأعياد الكفار: الحكم الشرعي وأدلته وآراء العلماءالخلاصة
الراجح عند جمهور أهل العلم تحريم تمكين الكافر من المصحف الشريف مسًا أو حملًا أو إعطاءً، تعظيمًا لكتاب الله وتنزيهًا له عن الامتهان. أما الدعوة إلى الإسلام فتكون بقراءة القرآن عليه أو إعطائه ترجمة معانيه، رجاء أن يهديه الله تعالى إلى الصراط المستقيم. والله أعلم.
