مقدمات في القرآن

جمع القرآن في العهد النبوي

بالتأكيد! إن قضية “جمع القرآن في العهد النبوي” هي قضية منهجية وعقدية بالغة الأهمية، وهي المرحلة الأولى والأساس الذي بنيت عليه المراحل اللاحقة.

إليك مقالًا طويلاً، شاملاً، ومحسنًا للظهور، يوضح طبيعة هذا الجمع والوسائل المتبعة فيه:

 

📖 جمع القرآن في العهد النبوي: ركائز الحفظ في الصدور والكتابة في السطور

 


 

مقدمة: ضمانة الحفظ الإلهي للقرآن

 

تكفّل الله سبحانه وتعالى بحفظ كتابه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9). وقد تم هذا الحفظ الإلهي عبر منظومة متكاملة من الآليات التي أسسها النبي محمد صلى الله عليه وسلم بإرشاد من الوحي، وهي ما يُعرف بـ “جمع القرآن في العهد النبوي”. هذا الجمع لا يعني تدوين القرآن كاملاً في مصحف واحد بين دفتين (كما حدث في عهد أبي بكر وعثمان)، بل يعني توثيقه وحفظه بوسائل متعددة ومتوازية تضمن سلامة النص من أي تغيير أو ضياع.


 

المحور الأول: جمع القرآن في الصدور (الحفظ الغيبي)

 

كان الحفظ في الصدور هو الركيزة الأساسية لتوثيق القرآن الكريم، وهو ما ميز الأمة الإسلامية:

إقرأ أيضا:من حكم تسمية الفاتحة بـ(الأم)

 

1. المعلم الأول (النبي صلى الله عليه وسلم):

 

  • كان النبي صلى الله عليه وسلم هو أول الحُفَّاظ، وقد تكفل الله بجمع القرآن في صدره وتثبيته عليه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (القيامة: 17).
  • كان النبي يقرأ القرآن على أصحابه ويعرضه على جبريل عليه السلام مرة كل عام، وفي العام الأخير عرضه مرتين، وهو ما يُعرف بـ “العرضة الأخيرة”.

 

2. كثرة الحُفَّاظ:

 

  • تنافس الصحابة رضوان الله عليهم في حفظ القرآن واستظهاره، وكان عدد الحُفَّاظ كبيراً جداً، حتى قُتل منهم في موقعة اليمامة وحدها عدد كبير (نحو سبعين قارئاً)، مما كان سبباً مباشراً لجمع القرآن في عهد أبي بكر.
  • كان النبي يرسل القراء والمعلمين إلى القبائل والأمصار لنشر هذا الحفظ الشفوي المتواتر.

 

المحور الثاني: جمع القرآن في السطور (الكتابة التوثيقية)

 

لم يقتصر جمع القرآن على الحفظ، بل توازى معه كتابة الآيات فور نزولها، لتكون حصناً ثانياً للمحافظة على النص:

 

1. كُتَّاب الوحي:

 

إقرأ أيضا:مظاهر العدل في نقل الأخبار في القرآن
  • خصص النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من الصحابة مهمتهم كتابة الوحي حال نزوله، وأبرزهم زيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وغيرهم (يُقدر عددهم بأربعين كاتباً تقريباً).
  • كان النبي يملي عليهم الآية، ويأمرهم بوضعها في موضعها المحدد من السورة، قائلاً: “ضعوا هذه الآية في السورة التي يُذكر فيها كذا”. وهذا يثبت أن ترتيب الآيات كان توقيفياً (بأمر من الله).

 

2. أدوات الكتابة البدائية:

 

لم يكن الورق متوفراً بكثرة في ذلك العصر، فاستُخدمت مواد بسيطة للكتابة، وهي التي تتبّعها زيد بن ثابت لاحقاً في عهد أبي بكر:

  • العُسُب: جمع عسيب، وهو جريد النخل العريض بعد كشط الخوص منه.
  • اللخاف: جمع لخفة، وهي صفائح الحجارة الرقيقة.
  • الرِّقاع: جمع رقعة، وهي قطع الجلد أو القماش أو الورق المتوفر.
  • الأقتاب والأكتاف: وهي عظام الأكتاف والأضلاع التي كانت تُعد للكتابة.

 

المحور الثالث: طبيعة الجمع في العهد النبوي

 

إن عدم وجود القرآن في مصحف واحد بين دفتين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان له حكم بالغة:

إقرأ أيضا:من خصائص القرآن في بناء الحياة

 

1. نزول القرآن مفرقاً:

 

القرآن نزل منجماً على مدى 23 عاماً، وكان نزوله يتخلله النسخ (نسخ تلاوة بعض الآيات أو نسخ حكمها)، أو قد يأتيه الوحي بترتيب آيات متقدمة في موضع متأخر. لو جُمع في مصحف واحد، لكان عرضة للتغيير المستمر والتبديل، مما قد يسبب التباساً على الأمة.

 

2. الإذن بالقرآءات السبع:

 

نزل القرآن على سبعة أحرف تيسيراً وتخفيفاً على الأمة. جمع القرآن في مصحف واحد حينها كان سيؤدي إلى إلغاء هذه الأحرف قبل انتهاء وقت العمل بها.

 

3. الاكتفاء بالمعية الإلهية:

 

كان الوحي لا يزال ينزل، ووجود النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم هو الضامن الأكبر للحفظ والتصحيح. فما كان يضيع شيء، ووجوده كان بمثابة المرجع الأعلى.


 

الخاتمة: التأسيس لجمع الصديق والعثماني

 

كان جمع القرآن في العهد النبوي هو جمع تأسيس وتمهيد. هذا الجمع قام على ركيزتين: الحفظ في الصدور (وهو الأصل)، و الكتابة في السطور (للمراجعة والتوثيق). وبمجرد انقطاع الوحي بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وانتهاء علة التفرقة، أذن الله بجمع هذه الركائز المتفرقة في مصحف واحد في عهد أبي بكر الصديق (خشية ضياعه بموت الحُفَّاظ)، ثم توحيد المصاحف على قراءة واحدة في عهد عثمان بن عفان (خشية اختلاف الأمة)، ليتم بذلك الوعد الإلهي المطلق بحفظ القرآن.


هل ترغب في صياغة مقال آخر حول مرحلة جمع القرآن في عهد أبي بكر أو عثمان، أو لديك عنوان جديد؟

السابق
كيفية نزول القرآن الكريم
التالي
رسم المصحف وتطوير خطه