أحكام الشريعة الاسلاميه

حكم إسقاط الجنين

 

⚖️ حكم إسقاط الجنين (الإجهاض): نظرة شرعية بين حماية النفس ودرء الضرر

 

 

مقدمة: الجنين وحرمة الحياة

 

تولي الشريعة الإسلامية حماية خاصة للنفس البشرية، بدءاً من مراحل تكوينها الأولى. الإجهاض، أو إسقاط الجنين، هو من القضايا المعاصرة التي تتطلب تفصيلاً دقيقاً في حكمها، حيث يتوقف الحكم الشرعي بشكل كبير على مرحلة تطور الجنين، ووجود عذر شرعي مُعتبر، وتقرير الأطباء الثقات.

يُعد الأصل في الإجهاض هو التحريم؛ لأنه اعتداء على نفس آيلة للحياة، ولكن الفقهاء ميزوا بين مرحلتين أساسيتين في عمر الجنين بناءً على الحديث النبوي الشريف: “إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل إليه الملَك فينفخ فيه الروح…” (رواه البخاري ومسلم).


 

1. حكم الإجهاض بعد نفخ الروح (120 يوماً فأكثر)

 

يُعتبر هذا الطور هو الأشد حرمة، حيث يصبح الجنين نفساً محترمة لها حق الحياة بوجود الروح.

 

أ. الحكم الشرعي:

 

يحرم الإجهاض بعد نفخ الروح (بعد مرور أربعة أشهر / 120 يوماً) تحريماً مطلقاً باتفاق جمهور الفقهاء.

إقرأ أيضا:كيفية توزيع الاضحية
  • الدليل: يصبح الإجهاض في هذه المرحلة بمثابة قتل نفس بشرية معصومة، ويترتب عليه عقوبات شرعية كـ “الغُرّة” (دية الجنين، وهي عشر دية الأم، وقيمتها عبد أو أمة) ووجوب الكفارة (صيام شهرين متتابعين على الجاطئة)، إن كان الإجهاض بفعل متعمَّد.

 

ب. حالة الاستثناء الوحيدة (الضرورة القصوى):

 

لا يُباح الإجهاض في هذه المرحلة إلا في حالة الضرورة القصوى المتيقنة، وهي:

  • خطر مؤكد على حياة الأم: إذا قرر أكثر من طبيبين مختصين ثقتين أن بقاء الجنين في بطن الأم سيؤدي حتماً إلى هلاك الأم، فإنه يُباح، بل قد يجب إجهاضه.
  • القاعدة الفقهية: يُعمل هنا بقاعدة “ارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما”، ويُقدم حفظ حياة الأم (الأصل الحي) على الجنين (الذي لم تستقر حياته بالكامل).

 

2. حكم الإجهاض قبل نفخ الروح (قبل 120 يوماً)

 

هذه المرحلة فيها تفصيل وخلاف بين العلماء، وهي تنقسم إلى ثلاث مراحل:

المرحلة المدة الزمنية حكم الإجهاض والآراء الفقهية
النطفة أول 40 يوماً الأمر أوسع نسبياً. يرى بعض الفقهاء (كبعض الحنفية والشافعية) جواز الإسقاط لعذر وحاجة معتبرة، مثل المرض الذي يشق عليها الحمل، أو الحاجة الماسة إلى تنظيم النسل في الظروف الخاصة. والأصل والأحوط هو الترك.
العلقة والمضغة من اليوم 41 حتى 120 يوماً التحريم أشد والكراهة أقوى. يرى الجمهور أن الإسقاط في هذه المرحلة لا يجوز إلا لعذر شديد وضرورة معتبرة؛ لأن الجنين بدأ في التخلق، وأصبح مهيأً لنفخ الروح، ويترجح في هذه المرحلة التحريم.

 

إقرأ أيضا:كيف خلق الله الكون

العذر غير المعتبر (التحريم):

 

اتفق العلماء على أن الإجهاض يحرم في جميع المراحل (ما قبل النفخ وبعده) إذا كان لـ:

  • خشية الفقر والعجز عن الإنفاق.
  • خوف المشقة في تربية الأولاد.
  • الاكتفاء بالعدد الموجود من الأولاد.
  • مجرد عدم الرغبة في الحمل.

 

حالة التشوهات الخطيرة:

 

إذا ثبت طبياً ثبوتاً قطعياً وجود تشوهات خلقية خطيرة جداً في الجنين، بحيث لا تتلاءم مع الحياة الطبيعية، وتكون حياته مليئة بالمعاناة، فإن بعض المجامع الفقهية والعلماء أجازوا إسقاطه، بشرط أن يكون ذلك قبل نفخ الروح (قبل 120 يوماً).


 

3. خلاصة الموقف الشرعي والاحتياط الإيماني

 

مما سبق، يتضح أن حكم إسقاط الجنين يتأرجح بين التحريم المطلق والإباحة لضرورة قصوى:

  • الأصل: التحريم؛ لأن الجنين كائن حي، ومآل النطفة هو نفس بشرية معصومة، ويجب الإبقاء عليها.
  • الحد الفاصل: نفخ الروح (120 يوماً)، فبعده لا يُباح الإجهاض إلا لإنقاذ حياة الأم بيقين.
  • الاحتياط: ينبغي على المسلمة أن تترك الإجهاض مطلقاً إلا إذا كان هناك عذر شرعي قوي جداً، وأن يكون القرار بناءً على تقرير طبي موثوق وفتوى شرعية معتمدة.

تنبيه: المسألة من الفروع التي تحتاج إلى تشخيص طبي دقيق وحكم شرعي متخصص في كل حالة على حدة، ويجب الرجوع فيها إلى أهل العلم والمشورة الطبية الثقة.

إقرأ أيضا:صيام عاشوراء

هل تود الآن أن نطور مقالاً آخر يتناول حقوق الجنين في الفقه الإسلامي (كالنفقة والميراث)؟ ✍️

السابق
حكم إسبال الثوب
التالي
حكم قراءة القرآن بدون وضوء