حكم بيع المصحف
يُعد المصحف الشريف كتاب الله المنزل، وهو أعظم الكتب وأجلها في الإسلام، مما يجعل التعامل معه محط اهتمام الفقهاء من حيث بيعه، شراؤه، أو الانتفاع به. يثار تساؤل حول حكم بيع المصحف، خاصة مع انتشاره في الأسواق والمكتبات. في هذا المقال، نستعرض حكم بيع المصحف في الشريعة الإسلامية، مستندين إلى الأدلة من القرآن الكريم، السنة النبوية، وآراء الفقهاء، مع توضيح الضوابط الشرعية والحكمة منها.
الأدلة الشرعية المتعلقة ببيع المصحف
1. القرآن الكريم
-
قال الله تعالى: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” (سورة الحجر: 9). تُشير الآية إلى عظمة القرآن وحفظه، مما يجعل التعامل معه يتطلب تعظيمًا وتوقيرًا.
-
قال تعالى: “وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ” (سورة الحج: 32). يُعتبر المصحف من شعائر الله، فيجب أن تكون المعاملات المتعلقة به محترمة وخالية من أي إخلال بقدسيته.
2. السنة النبوية
-
لم يرد نص صريح في السنة النبوية يحرم أو يُبيح بيع المصحف مباشرة، لكن ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم تحذير من اتخاذ القرآن وسيلة للكسب المادي دون نية تعظيمه. قال صلى الله عليه وسلم: “اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به” (رواه أحمد، وحسنه بعض العلماء)، وهو يُحذر من استغلال القرآن للدنيا.
إقرأ أيضا:حكم بيع الهدية -
ورد عن الصحابة أن بعضهم كان يكتب المصحف ويأخذ أجرة على كتابته، مما يُشير إلى جواز أخذ الأجر على العمل المرتبط بالمصحف.
3. الإجماع والقياس
-
لم يُجمع العلماء على تحريم بيع المصحف، بل ذهب الجمهور إلى جوازه مع شروط. قاسوا بيع المصحف على بيع الكتب العلمية والدينية، حيث الأجرة تُؤخذ على العمل (الكتابة، الطباعة، التجليد) وليس على كلام الله نفسه.
آراء الفقهاء في حكم بيع المصحف
اختلف الفقهاء في حكم بيع المصحف على النحو التالي:
1. الرأي الأول: جواز بيع المصحف
يرى جمهور الفقهاء من الحنفية، الشافعية، الحنابلة، وبعض المالكية أن بيع المصحف جائز، بشرط أن يكون الهدف تعظيم القرآن ونشره بين الناس. استندوا إلى:
-
الأصل في الإباحة: الأصل في المعاملات الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم.
-
عمل الصحابة: ورد أن بعض الصحابة، مثل عثمان بن عفان رضي الله عنه، كانوا يكتبون المصحف ويوزعونه، وقد أخذ بعض الكتبة أجرة على عملهم (رواه ابن أبي داود). كما أن نسخ المصحف العثماني تطلبت جهدًا ماديًا، مما يُشير إلى جواز أخذ الأجر.
إقرأ أيضا:حكم زيارة القبور -
القياس على الكتب العلمية: بيع المصحف يُشبه بيع كتب الحديث والفقه، حيث تُؤخذ الأجرة على الجهد المبذول في الكتابة أو الطباعة.
-
مصلحة نشر القرآن: بيع المصحف يُسهل توزيعه بين الناس، مما يُحقق مصلحة تعليم القرآن وحفظه.
2. الرأي الثاني: كراهة أو تحريم بيع المصحف
يرى بعض الفقهاء من المالكية وبعض السلف أن بيع المصحف مكروه أو محرم، خاصة إذا كان الهدف الكسب المادي دون تعظيم. استندوا إلى:
-
تحذير النبي من الأكل بالقرآن: حديث “اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به” يُحذر من اتخاذ القرآن وسيلة للكسب الدنيوي.
-
تعظيم القرآن: المصحف كلام الله، وبيعه قد يُفضي إلى التهاون بقدسيته.
-
خشية الاستغلال: قد يُستغل بيع المصحف لأغراض تجارية بحتة، مما يُناقض توقيره.
3. الرأي المعاصر
في العصر الحديث، أفتى كثير من العلماء، مثل الشيخ ابن باز وابن عثيمين، بجواز بيع المصحف بشرط أن يكون الهدف نشر القرآن وتيسير وصوله إلى الناس. كما أجازت هيئة كبار العلماء في السعودية بيع المصحف، معتبرة أن الأجرة تُؤخذ على الجهد المبذول في الكتابة، الطباعة، أو التوزيع، وليس على كلام الله نفسه (فتوى رقم 17824). ومع ذلك، شددوا على ضرورة تعظيم المصحف وعدم استخدامه للكسب غير المشروع.
إقرأ أيضا:حكم شراء الذهب بالتقسيطالضوابط الشرعية لبيع المصحف
ليكون بيع المصحف جائزًا، يجب مراعاة الضوابط التالية:
-
النية الصادقة: يجب أن تكون النية نشر القرآن وتيسير وصوله إلى الناس، وليس الكسب المادي فقط.
-
تعظيم المصحف: يجب أن يُعامل المصحف باحترام أثناء البيع، وأن يُوضع في أماكن نظيفة ومشرفة.
-
السعر العادل: الأجرة تُؤخذ على الجهد (الكتابة، الطباعة، التجليد) وليس على كلام الله، فيجب أن يكون السعر معقولًا.
-
عدم الاستغلال التجاري: يُحرم بيع المصحف بأسعار مرتفعة جدًا بهدف الربحية المفرطة.
-
ضمان وصوله للمستحقين: يُفضل أن يُباع المصحف لمن يُريد تعلمه أو تلاوته، وليس لأغراض غير مشروعة.
الحكمة من جواز بيع المصحف
-
تيسير نشر القرآن: بيع المصحف يُسهل توزيعه بين المسلمين، مما يُعزز تعلمه وحفظه.
-
إكرام العاملين: أخذ الأجرة على الجهد المبذول في كتابة أو طباعة المصحف يكرم العاملين ويُشجعهم على مواصلة العمل.
-
تحقيق المصلحة: يُساعد المسلمين على اقتناء المصحف في بيوتهم، مما يُحيي تلاوته وتدبره.
الخاتمة
بيع المصحف جائز عند جمهور الفقهاء والعلماء المعاصرين، بشرط أن يكون الهدف نشر القرآن وتيسير وصوله إلى الناس، مع مراعاة تعظيمه وعدم استغلاله تجاريًا. الأجرة تُؤخذ على الجهد المبذول في الكتابة أو الطباعة، وليس على كلام الله نفسه. يرى بعض الفقهاء كراهة بيعه خشية التهاون بقدسيته، لكن الرأي الراجح يُجيزه مع الضوابط. يُنصح المسلم باستشارة أهل العلم عند الشك، والحرص على تعظيم المصحف في جميع المعاملات المتعلقة به. إن بيع المصحف بنية صالحة وسيلة لنشر كلام الله، وهو من أعظم القربات إذا تم بإخلاص وتوقير.
