حكم صوم يوم السبت (خلاف الفقهاء ومراتب الحكم)
تُعد مسألة حكم صوم يوم السبت منفردًا من المسائل الفقهية التي وقع فيها خلاف مشهور بين الفقهاء والأئمة، بسبب ورود حديثين ظاهرهما التعارض في هذه المسألة.
أولًا: أدلة النهي عن صيام يوم السبت منفردًا
الأساس الذي يستند إليه القائلون بالنهي هو حديث:
- حديث الصماء: عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تَصوموا يومَ السبتِ إلَّا فيما افتُرِضَ عليكم، فإن لم يَجِدْ أحدُكم إلَّا لِحاءَ عِنَبٍ أو عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ” (صحيح الترمذي، صححه الألباني وحسنه آخرون).
وجه الدلالة: هذا الحديث ينهى صراحة عن صيام يوم السبت تخصيصًا وتفردًا، ويستثني فقط صيام الفرض (كقضاء رمضان).
رأي القائلين بالتحريم أو الكراهة
ذهب بعض العلماء (كأحمد بن حنبل في رواية عنه، وبعض الظاهرية، وبعض المحققين المعاصرين كالألباني) إلى أن صيام يوم السبت منفردًا مكروه أو محرم استنادًا إلى صراحة النهي في الحديث.
إقرأ أيضا:هل يبيح الإسلام رضاع الكبير
ثانيًا: أدلة إباحة صيام يوم السبت
يستدل القائلون بالإباحة والجواز (وهو رأي جمهور الفقهاء) بعدة أدلة، ويرون أن النهي الوارد في الحديث لا يُقصد به التحريم أو الكراهة:
1. الإباحة في عموم النوافل
- حديث أم سلمة: ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يَصُومُ مِنَ الشُّهُورِ شَعْبانَ، ويَصِلُهُ برَمَضانَ، وكانَ أحَبُّ الأيَّامِ إلَيْهِ الصَّوْمُ يَوْمَ السَّبْتِ والأحَدِ (صحيح النسائي، صححه بعضهم).
- وجه الدلالة: هذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم السبت أحياناً، وهذا يعارض النهي المطلق.
2. التعليل (الرد على حديث النهي)
- المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة في المعتمد: يرون أن حديث النهي عن صيام السبت مضطرب أو منسوخ أو ضعيف، أو أنه محمول على خصوصية لا تشمل جميع الأمة.
- التعليل بالتشبه: رأى بعضهم أن النهي كان بسبب خشية التشبه باليهود الذين يعظمون يوم السبت بالامتناع عن العمل (فأراد النبي صلى الله عليه وسلم إظهار المخالفة).
إقرأ أيضا:حكم الحجاب
3. صيام داود عليه السلام
أفضل الصيام هو صيام يوم وإفطار يوم (صيام داود عليه السلام)، وهذا الصيام لا يصح إلا إذا شمل يوم السبت. ولو كان صيام السبت منفردًا محرمًا، لكان صيام داود مكروهًا أو محرمًا، وهذا خلاف الإجماع على فضله.
ثالثًا: الترجيح والاحتياط (القول الوسط)
القول الذي يجمع بين النصوص ويُعد الأكثر احتياطًا والأخذ به هو المتبع عند كثير من العلماء المعاصرين، وهو:
- الأصل الجواز: صيام يوم السبت جائز، ويندرج تحت عموم فضل الصيام تطوعاً.
- الكراهة عند الإفراد بقصد التخصيص: يُكره إفراد صيام يوم السبت فقط (أي أن يصوم السبت دون أن يصوم معه الجمعة أو الأحد) إذا كان الإفراد بقصد التخصيص والتعظيم لهذا اليوم بحد ذاته.
- لا كراهة مع وجود سبب: إذا وافق صيام يوم السبت سُنة أو سبباً شرعياً، فإنه يُشرع صومه ولا كراهة فيه، مثل:
- صيام يوم عرفة أو عاشوراء إذا وافق يوم السبت.
- صيام يوم وإفطار يوم (صيام داود).
- أن يصوم معه الجمعة أو الأحد.
- القضاء أو النذر.
الخلاصة:
إقرأ أيضا:لماذا حرّم لحم الخنزيرالأحوط هو عدم إفراد يوم السبت بالصيام إلا إذا صام معه يوم الجمعة أو يوم الأحد، أو وافق سببًا شرعيًا (كسنة أو قضاء)، وذلك للخروج من الخلاف والاحتياط للنهي الوارد في حديث الصماء. وإذا صامه منفردًا بغير قصد التخصيص، فالصحيح أن صومه جائز، ولا يترتب عليه الإثم إن شاء الله.
هل تود معرفة حكم صوم يوم الجمعة منفردًا؟
