حكم لعب الشطرنج
لعب الشطرنج من الموضوعات التي أثارت جدلاً فقهياً بين العلماء عبر العصور، نظراً لطبيعته كلعبة فكرية تتطلب تركيزاً وتخطيطاً، ولكنه قد يصاحبه بعض المحاذير مثل إضاعة الوقت أو القمار. في هذا المقال، سنتناول حكم لعب الشطرنج في الإسلام، مع الاستناد إلى الأدلة الشرعية من القرآن والسنة وآراء الفقهاء، مع توضيح الشروط التي تجعل اللعب جائزاً أو محرماً، ونصائح عملية للتعامل مع هذه اللعبة.
الأدلة الشرعية حول لعب الشطرنج
الأدلة من القرآن الكريم
لم يرد في القرآن الكريم نص صريح يُحرم أو يُجيز لعب الشطرنج بعينه، لأنه لعبة لم تكن موجودة في صدر الإسلام بنفس الشكل الحالي. ومع ذلك، يستند الفقهاء إلى آيات عامة تحث على استغلال الوقت في الطاعة وتنهى عن اللغو والقمار:
- قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (سورة المائدة: 90). إذا كان الشطرنج يُلعب على القمار، فإنه يدخل تحت تحريم الميسر.
- قوله تعالى: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ” (سورة لقمان: 6). بعض العلماء يرون أن الشطرنج قد يكون من “لهو الحديث” إذا أدى إلى إضاعة الوقت أو الانشغال عن الواجبات الدينية.
الأدلة من السنة النبوية
لم يرد في السنة الصحيحة نص صريح يُحرم الشطرنج أو يُجيزه، لكن هناك أحاديث تُشير إلى لعب النرد والقمار، وقد قاس عليها بعض الفقهاء:
إقرأ أيضا:حكم الأغاني- روى مسلم عن بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه”. بعض العلماء قاسوا الشطرنج على النردشير (لعبة تشبه النرد) إذا كان يشغل عن الطاعة.
- روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اللغو وإضاعة الوقت، مما يُستخدم كدليل لتحريم الشطرنج إذا أدى إلى إهمال الواجبات.
آراء الفقهاء حول حكم الشطرنج
آراء العلماء حول الشطرنج تتفاوت بين التحريم، الكراهة، والجواز، وفقاً للظروف والشروط:
- الرأي الأول: التحريم:
- أصحابه: الإمام مالك بن أنس، وبعض الحنفية والشافعية، وعدد من السلف مثل ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم.
- الأدلة:
- قياس الشطرنج على النرد لتشابههما في شغل الوقت.
- أن الشطرنج قد يؤدي إلى إضاعة الوقت، إهمال الصلاة، أو الخصومة بين اللاعبين.
- روايات ضعيفة عن بعض السلف تنهى عن الشطرنج.
- السبب: إذا كان اللعب مصحوباً بالقمار، أو أدى إلى إهمال الواجبات الدينية مثل الصلاة، أو تسبب في خصومة أو لغو، فهو محرم.
- الرأي الثاني: الكراهة:
- أصحابه: بعض الحنفية والشافعية، وبعض المعاصرين مثل الشيخ ابن عثيمين (في بعض فتاويه).
- الأدلة:
- إذا لم يكن الشطرنج مصحوباً بالقمار ولم يؤد إلى إهمال الواجبات، لكنه يشغل عن ذكر الله، فقد يكون مكروهاً.
- الحذر من الانشغال الزائد الذي يُلهي عن الطاعة.
- السبب: الكراهة تنطبق إذا كان اللعب باعتدال ولكن بشكل متكرر يُلهي عن الأمور النافعة.
- الرأي الثالث: الجواز:
- أصحابه: الإمام أحمد بن حنبل (في إحدى الروايتين)، وبعض الشافعية والحنفية، وعدد من العلماء المعاصرين مثل الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ عبد الله بن بيه.
- الأدلة:
- الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صريح بالتحريم.
- الشطرنج لعبة فكرية تُنمي الذهن ولا تُشبه النرد إذا خلا من القمار.
- روايات عن بعض الصحابة، مثل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، تُشير إلى جواز اللعب المباح للترويح عن النفس.
- الشروط:
- ألا يُصاحب اللعب قمار أو رهان.
- ألا يؤدي إلى إهمال الواجبات الدينية مثل الصلاة.
- ألا يتسبب في خصومة أو شجار بين اللاعبين.
- ألا يكون اللعب مفرطاً بحيث يشغل عن ذكر الله أو الأعمال النافعة.
الشروط التي تجعل الشطرنج جائزاً
ليكون لعب الشطرنج جائزاً، يجب مراعاة الشروط التالية:
إقرأ أيضا:حكم التسبيح باليد اليسرى- خلوّه من القمار: ألا يكون اللعب على مال أو مكافأة، لأن القمار محرم بالإجماع.
- عدم إهمال الواجبات: ألا يؤدي اللعب إلى تفويت الصلاة أو إهمال الواجبات الدينية والدنيوية.
- تجنب الخصومة: ألا يتسبب في نزاعات أو كراهية بين اللاعبين.
- الاعتدال في اللعب: أن يكون اللعب للترويح عن النفس باعتدال، وليس انشغالاً مستمراً يُلهي عن الطاعة.
- النية الصالحة: أن يكون القصد تدريب العقل أو الترويح المباح، وليس اللغو أو إضاعة الوقت.
فضل الابتعاد عن المحرمات في الألعاب
- طاعة الله: الابتعاد عن الألعاب المحرمة، مثل الشطرنج المصحوب بالقمار، يُعدّ طاعة لله ورسوله.
- حفظ الوقت: استغلال الوقت في الذكر والعبادة أو الأعمال النافعة يجلب البركة، كما قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا” (سورة الأحزاب: 41).
- السكينة النفسية: الألعاب المباحة باعتدال تروّح عن النفس دون أن تُلهي عن الطاعة.
- الثواب العظيم: تجنب اللغو والمحرمات يرفع درجات المسلم في الآخرة.
قصص وأمثلة من السيرة النبوية والصحابة
- الصحابة والترويح: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمح ببعض الألعاب المباحة، مثل الرمي بالسهام والمسابقات الرياضية، كما في حديث عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه (رواه مسلم). هذا يُشير إلى جواز الألعاب التي تُنمي المهارات دون محاذير.
- ابن عمر رضي الله عنهما: كان ينهى عن لعب النرد لأنه يُشبه القمار، لكنه لم يُحرم صراحة ألعاباً فكرية مثل الشطرنج إذا خَلَت من المحرمات.
- علي بن أبي طالب رضي الله عنه: روي عنه أنه أجاز بعض الألعاب التي لا تُلهي عن الطاعة، مما يدعم رأي الجواز بشروط.
نصائح عملية للتعامل مع الشطرنج
- التأكد من خلوّه من القمار: تجنب اللعب على مال أو مكافآت، سواء في المسابقات أو بين الأفراد.
- الاعتدال في اللعب: خصص وقتاً محدوداً للعب الشطرنج (مثل ساعة أو أقل) لتجنب إضاعة الوقت.
- المحافظة على الصلاة: تأكد من أداء الصلوات في أوقاتها وعدم الانشغال باللعب عنها.
- تجنب الخصومة: العب بروح رياضية، وتجنب النزاعات أو الكراهية مع اللاعبين.
- الجمع بين اللعب والذكر: إذا كنت تلعب، اجعل فترات الراحة فرصة للذكر والاستغفار.
- استشارة أهل العلم: إذا كنت تشك في حكم الشطرنج في حالة معينة، استشر عالماً موثوقاً لضمان الالتزام بالشرع.
خاتمة: حكم الشطرنج ودعوة للالتزام بالشرع
حكم لعب الشطرنج في الإسلام يعتمد على الظروف والشروط. هو محرم إذا كان مصحوباً بالقمار أو أدى إلى إهمال الواجبات أو الخصومة، مكروه إذا كان يُلهي عن الطاعة دون محاذير صريحة، وجائز إذا خلا من المحرمات وكان باعتدال للترويح عن النفس. الأصل في الإسلام هو الحث على استغلال الوقت في الطاعة والذكر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “اغتنم خمساً قبل خمس… شبابك قبل هرمك” (رواه الحاكم). ندعوك لمراعاة شروط الجواز عند لعب الشطرنج، والإكثار من الذكر والطاعة لتحقيق البركة والسكينة. اللهم اجعلنا من الذاكرين لك كثيرًا والشاكرين لنعمك.
إقرأ أيضا:حكم الأغاني