حكم من ذهب إلى ساحر
يُعد اللجوء إلى السحرة والمشعوذين من الأفعال التي نهت عنها الشريعة الإسلامية، لما فيها من خطر على العقيدة والإيمان. السحر محرم بالإجماع، والذهاب إلى الساحر للسؤال عن أمور غيبية أو طلب عمل سحري يُعتبر من الذنوب الكبرى التي قد تصل إلى حد الكفر في بعض الحالات. في هذا المقال، نستعرض حكم من ذهب إلى ساحر، مستندين إلى الأدلة من القرآن الكريم، السنة النبوية، وآراء الفقهاء، مع توضيح العواقب الشرعية والضوابط.
الأدلة الشرعية على تحريم الذهاب إلى الساحر
1. القرآن الكريم
-
قال الله تعالى: “وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ” (سورة البقرة: 102). تُشير الآية إلى أن السحر كفر، وتعليمه وتعلمه محرم لأنه يتضمن الشرك بالله.
-
قال تعالى: “وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ” (سورة طه: 69). تؤكد الآية أن السحرة لا يُفلحون عند الله، مما يدل على خطورة السحر والتعامل معه.
2. السنة النبوية
-
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: “اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق…” (رواه البخاري ومسلم). يُدرج الحديث السحر ضمن الموبقات، مما يُظهر تحريمه.
إقرأ أيضا:حكم بيع الهدية -
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: “من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم” (رواه أبو داود، وصححه الألباني). يُشير الحديث إلى أن تصديق الساحر أو الكاهن كفر، لأنه ينطوي على الإيمان بالغيب من مصدر غير شرعي.
-
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: “من أتى عرافًا فسأله عن شيء فإن صلاته لا تُقبل أربعين يومًا” (رواه مسلم). يُظهر الحديث عقوبة الذهاب إلى العراف أو الساحر حتى لو لم يُصدق.
3. الإجماع
-
أجمع العلماء على تحريم السحر والذهاب إلى السحرة، سواء لتعلم السحر، طلب عمل سحري، أو السؤال عن أمور غيبية، لأن ذلك ينطوي على الشرك أو الإثم الكبير.
حكم من ذهب إلى ساحر
اختلف الفقهاء في حكم الذهاب إلى الساحر بناءً على نية الفاعل وظروفه:
1. الذهاب إلى الساحر مع تصديقه
-
إذا ذهب المسلم إلى ساحر أو كاهن وسأله عن أمور غيبية (كالمستقبل أو الأمور المخفية) وصدّقه بما يقول، فإنه يكفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، لأن تصديق الساحر ينطوي على الإيمان بمصدر غيب غير الله. استندوا إلى حديث: “من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد” (رواه أبو داود).
إقرأ أيضا:أنواع الرزق -
العقوبة: يُعتبر مرتدًا إذا كان عالمًا بما يفعل وبنية تصديق الساحر، فيُطالب بالتوبة، وإلا يُقام عليه حد الردة (القتل) في الدولة الإسلامية.
2. الذهاب إلى الساحر دون تصديق
-
إذا ذهب المسلم إلى ساحر وسأله دون أن يُصدقه، فإنه يقع في ذنب كبير، لكنه لا يكفر. استندوا إلى حديث: “من أتى عرافًا فسأله عن شيء فإن صلاته لا تُقبل أربعين يومًا” (رواه مسلم). هذا يُشير إلى أن الذهاب نفسه محرم، لكنه لا يصل إلى حد الكفر إذا لم يُصدق الساحر.
-
العقوبة: يُعاقب تعزيرًا (عقوبة تقديرية) حسب تقدير الحاكم، ويُطالب بالتوبة والاستغفار.
3. طلب عمل سحري
-
إذا ذهب المسلم إلى ساحر وطلب منه عمل سحر (كسحر التفريق أو المحبة)، فهذا يُعد كفرًا إذا كان يعلم أن السحر يتضمن الشرك بالله (كالاستعانة بالجن أو التقرب لغير الله). إذا كان جاهلاً بحكم السحر، فهو ذنب كبير يستوجب التوبة.
-
العقوبة: إذا كان العمل السحري ينطوي على كفر صريح، يُعتبر مرتدًا، وإلا يُعاقب تعزيرًا ويُطالب بالتوبة.
شروط التوبة من الذهاب إلى الساحر
التوبة من الذهاب إلى الساحر واجبة، سواء كان الفعل مخرجًا من الملة أو ذنبًا كبيرًا، وتشمل:
إقرأ أيضا:فرض العين: تعريفه وأمثلته وضوابطه-
الندم الصادق: الشعور بالأسف على الذهاب إلى الساحر.
-
الإقلاع عن الذنب: التوقف عن التعامل مع السحرة أو العرافين.
-
العزم على عدم العودة: اتخاذ قرار جازم بعدم تكرار الفعل.
-
تجديد الإيمان: إذا كان الفعل مخرجًا من الملة (كتصديق الساحر)، يجب تجديد الشهادتين.
-
إبطال السحر إن أمكن: إذا طلب عمل سحر، يجب السعي لإبطاله بطرق شرعية، كالرقية الشرعية.
-
الاستغفار والأعمال الصالحة: كثرة الاستغفار، الصلاة، والصدقة لتكفير الذنب.
قال الله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” (سورة الزمر: 53).
الحكمة من تحريم الذهاب إلى الساحر
-
حفظ العقيدة: الذهاب إلى الساحر قد ينطوي على الشرك أو الإيمان بالغيب من مصادر غير شرعية.
-
حماية المجتمع: السحر يُسبب ضررًا اجتماعيًا ونفسيًا، كالتفريق بين الأزواج أو إثارة الفتن.
-
تعظيم الله: اللجوء إلى السحرة يُناقض التوكل على الله والاستعانة به وحده.
-
تجنب الكفر: تصديق الساحر أو طلب السحر قد يُخرج من الملة، مما يُهدد خلاص المسلم في الآخرة.
الخاتمة
الذهاب إلى الساحر محرم بالإجماع، ويُعتبر كفرًا مخرجًا من الملة إذا اقترن بتصديق الساحر في أمور الغيب أو طلب سحر ينطوي على الشرك. أما الذهاب دون تصديق، فهو ذنب كبير يستوجب التوبة والاستغفار. يجب على المسلم أن يحفظ إيمانه بالتوكل على الله واللجوء إليه وحده، وأن يتجنب السحرة والعرافين، لأنهم سبيل إلى الشرك والضلال. إذا وقع المسلم في هذا الذنب، فعليه التوبة النصوح فورًا، واستشارة أهل العلم لتوجيهه إلى الطريق الصحيح. إن صيانة العقيدة والتوكل على الله هما أساس الإيمان، والمسلم مدعو للحفاظ على قلبه من الشرك والمعاصي بالرقية الشرعية والدعاء.
