من البعثة إلى الهجرة

خروج النبي للطائف طلباً للنصرة

 

خروج النبي إلى الطائف: محنة الأذى وقمة الثبات النبوي

 

يُعد خروج النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى الطائف في العام العاشر من البعثة، والمعروف بـ “عام الحزن”، محطة شديدة القسوة والألم في تاريخ الدعوة الإسلامية. كانت هذه الرحلة بمثابة محاولة يائسة للبحث عن “دار نصرة” بديلة بعد أن أغلقت مكة أبوابها وتصاعد الاضطهاد بفقدان النبي لأعظم سنديه: عمه أبي طالب وزوجته خديجة رضي الله عنها.


 

أولاً: أسباب التحرك إلى الطائف

 

بعد وفاة أبي طالب، فقد النبي صلى الله عليه وسلم الحماية القبلية التي كانت تحول دون الاعتداء المادي عليه. وباشتداد الأذى من قريش، رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن الخروج من مكة أصبح ضرورة لبقاء الدعوة. وقع اختياره على الطائف لعدة أسباب:

  1. القرب الجغرافي: الطائف مدينة قريبة نسبياً من مكة، تقع على بعد حوالي 100 كيلومتر.
  2. القوة القبلية: كانت الطائف موطناً لقبيلة ثقيف القوية، التي كانت تُعدّ ثاني أقوى قبيلة عربية بعد قريش.
  3. العلاقة القرشية: كانت هناك مصاهرات وعلاقات تجارية بين قريش وثقيف، وكان يُؤمل أن يكونوا أكثر استجابة للدعوة من غيرهم.

 

إقرأ أيضا:ولا تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ والعَشِيِّ

ثانياً: الدعوة والرفض القاسي

 

ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ماشياً على قدميه (في بعض الروايات) برفقة مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه، ومكث بها قرابة عشرة أيام.

  • لقاء الزعامات: توجه النبي مباشرة إلى زعماء ثقيف، وهم ثلاثة إخوة من كبار القوم، فدعاهم إلى الإسلام وطلب منهم أن يوفروا له الحماية (المنعة) لتبليغ رسالة ربه.
  • الرفض والاستهزاء: كان ردهم سلبياً وقاسياً ومستهزئاً:
    • قال أحدهم: “ألم يجد الله أحداً يرسله غيرك؟”
    • وقال آخر: “أنا أمزق ثياب الكعبة إن كنت نبياً!”
    • وطالبوه بالخروج فوراً من بلادهم خوفاً من أن يفسد عليهم عباداتهم وأصنامهم.

 

ثالثاً: ذروة المحنة (رمي الحجارة)

 

لم يقتصر رد أهل الطائف على الرفض القولي، بل تجاوزوه إلى الأذى الجسدي الشديد، وهو قمة ما تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم من عنف في حياته الدعوية:

  • التحريض: أغرى زعماء ثقيف سفهاءهم وعبيدهم برمي النبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة بالحجارة.
  • الأذى الجسدي: سار النبي صلى الله عليه وسلم وزيد تحت وابل من الحجارة حتى أُدميت قدماه الشريفتان، وكان زيد يحاول حماية النبي بجسده.
  • الالتجاء إلى بستان: لم يستطع النبي تحمل المزيد، فلجأ إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة (من سادات قريش) وجلس تحت شجرة وهو في حالة من الإعياء والألم الشديدين.

 

إقرأ أيضا:الصحيفة والحصار

رابعاً: دعاء الضعف والفرج الإلهي

 

في هذا البستان، رفع النبي صلى الله عليه وسلم يده ضارعاً إلى ربه بدعاء عظيم يعبر عن عمق ضعفه ويقينه المطلق بقوة الله، وهو ما عُرف بـ دعاء الطائف:

“اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي…”

عقب هذا الدعاء، جاء الفرج الإلهي:

  1. إرسال جبريل وملك الجبال: نزل جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال، الذي عرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن يطبق عليهم “الأخشبين” (الجبلين المحيطين بمكة)، لكن النبي صلى الله عليه وسلم رفض ذلك، قائلاً: “بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً”.
  2. إسلام عدّاس: في البستان، قدم له غلام نصراني اسمه عدّاس عنباً، وتحدث معه النبي صلى الله عليه وسلم، مما أدى إلى إسلام عدّاس وتبركه بالنبي صلى الله عليه وسلم.

 

إقرأ أيضا:لكم دينكم ولي دين

الخلاصة

 

كان خروج النبي إلى الطائف محنة صعبة جداً، لكنها كانت ضرورية لتكشف عن الثبات النبوي العظيم، وعمق رحمته حتى بأشد أعدائه. والأهم من ذلك، أن الفشل الظاهري في الطائف كان مقدمة للنجاح الحقيقي، حيث أثمرت استراتيجية عرض الدعوة على القبائل في العام التالي لقاءً مباركاً مع وفود يثرب (المدينة)، الذي توّج ببيعَتي العقبة، ليفتح بذلك باب الهجرة والنصر العظيم.

السابق
نسب النبي صلى الله عليه وسلم
التالي
عام الحزن