شبهات حول العقيده

رد الشبهات حول ثبوت كرامات الأولياء

إبطال الشبهات حول ثبوت كرامات الأولياء: الموقف العقدي بين الإثبات والنفي

 

تُعد عقيدة كرامات الأولياء جزءاً لا يتجزأ من عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي تعني الأمر الخارق للعادة الذي يجريه الله تعالى على يد عبد مؤمن صالح (ولي)، إكراماً له وتثبيتاً على الحق. هذه العقيدة تواجه شبهات متعددة مصدرها غالباً الجهل بحقيقتها أو الخلط بينها وبين السحر والمعجزات.

هذا المقال يفصل الشبهات المثارة ويقدم الردود الشرعية والمنطقية عليها.


 

أولاً: الأساس الشرعي لإثبات الكرامات

 

الرد الأول والأقوى على من ينكر الكرامات هو إثباتها بالقرآن والسنة، وتبيان أنها جزء من قدرة الله تعالى المطلقة:

 

1. الدليل القرآني الصريح

 

القرآن الكريم سجل كرامات لغير الأنبياء، مما يثبت جوازها ووقوعها:

  • كرامة مريم عليها السلام: إتيانها بالرزق في غير موسمه:

    (سورة آل عمران: 37). ومريم لم تكن نبية، بل كانت ولية صالحة.

  • كرامة آصف بن برخيا: إحضار عرش ملكة سبأ لسليمان عليه السلام في طرفة عين، وهو لم يكن نبياً بل عالماً صالحاً:

    (سورة النمل: 40).

  • كرامة أصحاب الكهف: إنامة الله لهم مئات السنين وحفظ أجسادهم من البِلى:

    (سورة الكهف: 25).

 

إقرأ أيضا:شبهة من أنكر رؤية الله تعالى يوم القيامة

2. الدليل من السنة النبوية

 

أثبتت السنة وقوع كرامات لصحابة كرام:

  • حديث الغار: قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، وتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، ففرج الله عنهم، وهي كرامة أُجريت لهم ببركة إخلاص عملهم.
  • كرامة عمر بن الخطاب: قوله “يا سارية الجبل” أثناء خطبته يوم الجمعة، وسماع سارية له وهو ببلاد فارس (في نهاوند)، وهي كرامة تثبت الخرق للعادة في سماع الصوت ونقله.

 

ثانياً: إبطال شبهات الخلط والإنكار

 

تتركز شبهات المنكرين في النقاط التالية:

 

الشبهة الأولى: الكرامات تشبه المعجزات (تؤدي إلى الشرك)

 

يدعي البعض أن إثبات الكرامات يفتح الباب لادعاء النبوة أو الخلط بين الولي والنبي، وقد يؤدي إلى الغلو والشرك.

  • الرد (الفرق بين الكرامة والمعجزة):
    • الغاية والشرط: المعجزة شرطها التحدي وإثبات النبوة، وهي تنقطع بموت النبي. أما الكرامة فشرطها الاستقامة، وغايتها إكرام الولي وتثبيته، وهي تابعة لصدق نبوة الرسول الذي يتبعه هذا الولي.
    • الولي لا يدعيها: الولي الصالح لا يدعي الكرامة ولا يطلبها، بل قد يخفيها خوفاً من الفتنة. أما النبي فهو مأمور بإظهار المعجزة للدعوة.
    • القاعدة: كل كرامة لولي هي في الحقيقة دليل على صدق نبوة الرسول الذي يتبعه، وهي لا تتجاوز حدود شريعته أبداً.

 

إقرأ أيضا:شبهة من أنكر رؤية الله تعالى يوم القيامة

الشبهة الثانية: الكرامة تختلط بالسحر والشعوذة والاستدراج

 

يُخشى من أن يُلبَّس الأمر على العامة، فيعتقدون أن كل عمل خارق هو كرامة، بينما قد يكون سحراً أو استدراجاً.

  • الرد (معيار التفريق):
    • المعيار هو الاستقامة: الفيصل للتفريق بين الكرامة والسحر هو اتباع الشريعة.
      • الكرامة: لا تظهر إلا على يد مؤمن مستقيم على الكتاب والسنة، مُحافظ على الفرائض والسنن.
      • السحر/الاستدراج: يظهر على يد فاسق أو فاجر أو كافر، يخالف الشرع ويستعين بالشياطين. والعمل الخارق الذي يظهر على يد فاجر يُسمى استدراجاً (كالذي يطير في الهواء وهو لا يصلي)، وهو فتنة وعقوبة له.

 

الشبهة الثالثة: إنكار الكرامات لعدم ورودها في نصوص الآحاد (منهج المعتزلة)

 

اعتمدت بعض الفرق على نفي الكرامات بزعم أن القرآن لم ينص عليها نصاً مباشراً للعامة، وأنها مخالفة للعادة (القاعدة العقلية).

  • الرد:
    • النص القرآني صريح: كما أُثبت سابقاً، القرآن أثبت كرامات مريم وآصف بن برخيا وغيرهم.
    • الكرامة ليست قاعدة عقلية: إن الكرامة أمر خارق للعادة، ووقوعها لا يخضع للعقل البشري المحدود، بل يخضع لـ قدرة الله المطلقة. الذي خلق الكون بقوانين، قادر على خرق هذه القوانين متى شاء إكراماً لمن اصطفاه. إنكار الكرامة هو في جوهره تحديد لقدرة الله، وهذا منافٍ للتوحيد.

 

إقرأ أيضا:شبهات حول عذاب القبر ونعيمه

ثالثاً: ضوابط أهل السنة للكرامات (منع الغلو)

 

لتجنب الوقوع في الشرك والغلو، وضع أهل السنة ضوابط واضحة للكرامة:

  1. ليست دليلاً على الأفضلية المطلقة: قد تُعطى الكرامة لمن هو أقل فضلاً، وقد يُحجبها الله عمن هو أفضل، لحكمة يعلمها.
  2. ليست مصدراً للتشريع: لا يجوز الاستدلال بالكرامة لإثبات حكم شرعي، فمصدر التشريع هو القرآن والسنة فقط.
  3. لا يجب الإيمان بكل ما يُحكى: يجب الحذر من قصص “الكرامات” الخرافية والموضوعة التي تتنافى مع الشرع والعقل.

خاتمة:

إن عقيدة كرامات الأولياء تمثل إيماناً بقدرة الله المطلقة على خرق العادة إكراماً لأحبابه. وهي لا تخرج أبداً عن نطاق التوحيد، بل هي دليل على صحة منهج النبي المتبوع. والفيصل الذي يُحسم به كل جدل هو التزام الولي بظاهر وباطن الشريعة؛ فـ “لا كرامة بمخالفة الأمر والنهي”.

السابق
شبهات حول عذاب القبر ونعيمه
التالي
شبهة من أنكر رؤية الله تعالى يوم القيامة