رضاعة النبي صلى الله عليه وسلم: نشأة طاهرة في بادية بني سعد
تُعدّ مرحلة رضاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم جزءاً بالغ الأهمية من سيرته العطرة، فهي لم تكن مجرد فترة نمو جسدي، بل كانت فترة تأسيسية نشأ فيها على الفطرة السليمة في بيئة صحية، بعيداً عن صخب مكة وتأثيراتها الاجتماعية. استمرت هذه المرحلة نحو أربع سنوات، وتولى رعايته في هذه الفترة سيدتان عظيمتان: أمه آمنة بنت وهب، ومرضعته حليمة السعدية.
أولاً: الرضاعة الأولى (الأم وثويبة)
بعد ولادته صلى الله عليه وسلم في عام الفيل (571 م)، تولت أمه آمنة بنت وهب إرضاعه أول أيام ولادته. ثم كانت هناك مرضعة سبقت حليمة:
- ثويبة مولاة أبي لهب: هي أول من أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم بعد أمه. كانت ثويبة قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب (عم النبي)، وبذلك أصبح حمزة أخاً للنبي من الرضاعة.
ثانياً: حليمة السعدية وبركة اللقاء
كانت عادة أشراف قريش أن يرسلوا أبناءهم إلى البادية لتنشئتهم على الفصاحة، وسلامة اللغة، وقوة البنية، وبعداً عن أمراض مكة.
إقرأ أيضا:الحجر الأسود
1. اختيار حليمة
جاءت إلى مكة نساء من بادية بني سعد بن بكر التابعة لقبيلة هوازن، يلتمسن الرضعاء. وكانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، إحدى هؤلاء النسوة، وهي امرأة فقيرة. لم يجد النبي صلى الله عليه وسلم من يقبله بسهولة، نظراً ليتمه وفقر أمه وعدم وجود أب يدفع أجراً مرتفعاً.
لم تجد حليمة أي طفل، فخشيت العودة إلى قومها فارغة اليدين، فعادت إلى محمد صلى الله عليه وسلم وقبلت أن ترضعه.
2. البركة والخير
بمجرد أن أخذت حليمة النبي صلى الله عليه وسلم، حلّت البركة والخير على حليمة وزوجها وأهل بيتها:
- درّ اللبن: كانت حليمة تعاني من قلة اللبن، فامتلأ ثديها باللبن وأرضعته وارتوى هو وأخوه من الرضاعة.
- زيادة الرزق: درّت شارفهما (ناقتهما الهزيلة) التي كانت لا تحلب شيئاً، وأصبحت غنمهم سمينة وكثيرة اللبن، وأخصبت ديارهم.
- إدراك العظمة: أدركت حليمة وزوجها أن هذا الطفل له شأن عظيم، وأن البركة كلها جاءت بسببه.
ثالثاً: بقاء النبي في بني سعد وحادثة شق الصدر
إقرأ أيضا:ميلاد النبي اليتيم صلى الله عليه وسلم
بقي النبي صلى الله عليه وسلم في بادية بني سعد حوالي أربع سنوات، وهو أطول مما كان معتاداً، حيث كانت حليمة وزوجها لا يرغبان في التخلي عنه لِما لمساه من بركة.
- حادثة شق الصدر الأولى: وقعت حادثة شق الصدر الشهيرة وهو في سن الرضاعة، حيث جاءه ملكان فاستخرجا قلبه، وأخرجا منه حظ الشيطان (كما جاء في الصحيح)، وغسلاه وأعاداه.
- الخوف والعودة: فزعت حليمة وزوجها، وخافوا عليه من كل سوء، فقررا إعادته إلى أمه في مكة بعد أن كان عمره حوالي أربع أو خمس سنوات.
رابعاً: العلاقة بعد الرضاعة
لم تنقطع علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بحليمة السعدية، فكانت تزوره في مكة والمدينة، وكان يبرها ويُكرمها إكراماً شديداً:
- التقدير والإكرام: كانت حليمة تأتيه في المدينة، فكان صلى الله عليه وسلم يبسط لها رداءه (عباءته) ويجلسها عليه إجلالاً لها، ويهديها من ماله.
- الصلة بالرضاعة: ظل النبي صلى الله عليه وسلم وفياً لحليمة وأهلها، ولأخيه وأخته من الرضاعة.
إقرأ أيضا:مشاركة نبوية في أحداث هامة قبل البَعْثة
الخلاصة
تُظهر مرحلة رضاعة النبي صلى الله عليه وسلم في بادية بني سعد حكمة الله تعالى في إعداده للرسالة، حيث نال صحة البدن، وفصاحة اللسان، وقوة الجأش، قبل أن يعود إلى مكة ليقضي سنوات شبابه في التجارة والتأمل استعداداً للوحي. كما أكدت هذه القصة على قيمة البركة التي تحل على من يحتضن النبي، وعلى الوفاء العظيم من النبي صلى الله عليه وسلم لمن رعاه صغيراً.
