شبهات حول العقيده

شبهة من أنكر رؤية الله تعالى يوم القيامة

تُعد قضية رؤية الله تعالى يوم القيامة من أهم مسائل العقيدة عند أهل السنة والجماعة، الذين يُثبتونها استناداً لنصوص قطعية من القرآن والسنة. شبهة منكري هذه الرؤية (وهم غالباً من المعتزلة أو الجهمية قديماً، وبعض الفرق الحديثة) تقوم على تأويل نصوص الإثبات أو نفي الرؤية في الدنيا.

سأقدم مقالاً شاملاً بعنوان: “إبطال شبهات من أنكر رؤية الله تعالى يوم القيامة: إثبات الرؤية عقيدة أهل السنة والجماعة”.


 

إبطال شبهات من أنكر رؤية الله تعالى يوم القيامة: إثبات الرؤية عقيدة أهل السنة والجماعة

 

عقيدة أهل السنة والجماعة مبنية على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة في الجنة بأعينهم رؤية حقيقية، وهي أعظم نعيم أهل الجنة. هذه العقيدة مبنية على نصوص صريحة لا تحتمل التأويل. إنكار الرؤية هو انحراف عقدي قديم، يستند إلى شبهات واهية يتم تفنيدها شرعياً وعقلياً.


 

أولاً: إثبات الرؤية بالأدلة القطعية من القرآن والسنة

 

يُستدل على رؤية الله تعالى يوم القيامة بأدلة صريحة لا مجال لتأويلها أو نفيها:

 

1. الدليل القرآني الصريح

 

  • وجوه ناظرة: قال تعالى:
    $$\text{وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ}$$

    (سورة القيامة: 22-23).

    إقرأ أيضا:إشكال في فهم الغاية من الخلق
    • دلالة الآية: كلمة “ناظرة” المقترنة بحرف الجر “إلى” (إلى ربها) لا تُستخدم في اللغة العربية إلا بمعنى النظر البصري المباشر. لو كان المقصود هو “الانتظار” أو “التأمل”، لكان التركيب اللغوي مختلفاً.
  • زيادة النعيم: فسر النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة في قوله تعالى:
    $$\text{لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞ}$$

    (سورة يونس: 26) بأنها النظر إلى وجه الله الكريم.

 

2. الدليل من السنة النبوية

 

الأحاديث التي تُثبت الرؤية بلغت حد التواتر المعنوي، وهي كثيرة وصحيحة:

  • التشبيه برؤية الشمس والقمر: قال صلى الله عليه وسلم: “إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تُضامون في رؤيته” (متفق عليه).
    • دلالة الحديث: التشبيه هنا هو للكيفية (أي رؤية واضحة لا لبس فيها) وليس للمرئي (حاشا لله أن يُشبه بالمخلوقات). فالمقصود أن الرؤية ستكون واضحة لا يُزاحم أحدٌ غيره في رؤيتها.

 

ثانياً: إبطال شبهات المنكرين

 

ينطلق المنكرون للرؤية من نصوص تتحدث عن الدنيا أو يؤولون نصوص الآخرة تأويلاً باطلاً:

إقرأ أيضا:إشكال في فهم الغاية من الخلق

 

الشبهة الأولى: آية النفي (لن تراني)

 

يستدل المنكرون بقصة موسى عليه السلام عندما طلب الرؤية في الدنيا، فكان الرد الإلهي:

$$\text{قَالَ لَن تَرَانِي}$$

(سورة الأعراف: 143).

  • الرد:
    • النفي في الدنيا لا ينفي الآخرة: هذه الآية تثبت أن الرؤية مستحيلة في الحياة الدنيا على مقتضى البشرية، لكنها لا تنفي إمكانية وقوعها في الآخرة عندما يكون أهل الجنة في حال مختلف.
    • لو كانت الرؤية مستحيلة مطلقاً، ما طلبها كليم الله موسى عليه السلام، الذي هو أعلم الخلق بالله في زمانه. فطلبه دليل على أن الرؤية جائزة في الجملة.

 

الشبهة الثانية: آية الإحاطة البصرية

 

يستدلون بقوله تعالى:

$$\text{لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَ}$$

(سورة الأنعام: 103).

  • الرد:
    • الفرق بين “الرؤية” و “الإدراك”: الآية تنفي الإدراك، لا الرؤية، وهناك فرق عظيم.
    • الإدراك: هو الإحاطة بالشيء ومعرفة كُنْهه وحدوده. الله تعالى ينفي أن تحيط به الأبصار أو تدرك كنهه أو حقيقته، لأنه أعظم من ذلك.
    • الرؤية: هي مجرد الإبصار. رؤية الله تعالى ستكون إبصاراً لوجهه الكريم، دون إحاطة أو إدراك لكنهه.
    • الإمام الشافعي: استدل بهذه الآية على إثبات الرؤية، قائلاً: لما نفى الإدراك أثبت الرؤية، كما قال العرب: “لا يُدرك إلا يُرى”. ولو كان المقصود نفي الرؤية أصلاً، لقال: “لا تراه الأبصار”.

 

إقرأ أيضا:هل يمكن أن يفتن النبي عن الوحي ؟

الشبهة الثالثة: استلزام الرؤية التجسيم والتحيز

 

يدعي المنكرون أن إثبات الرؤية يستلزم أن يكون الله جسماً محصوراً في جهة أو مكان، وهذا محال في حق الله.

  • الرد:
    • الرؤية إثبات بلا تكييف: أهل السنة يُثبتون الرؤية لله تعالى كما أثبتها لنفسه، بلا تكييف (أي بلا تحديد كيفية)، وبلا تشبيه بالمخلوقات.
    • عدم ربط الرؤية بالحيز: نحن نرى الله في الجنة بأعيننا، لكننا لا نعرف الكيفية التي سيراها بها المؤمنون. إن رؤية الله تعالى ليست كالرؤية المادية للمخلوقات التي يشترط فيها وجود الحيز أو المكان أو المسافة. إثبات الرؤية يكون مع الإيمان بأن
      $$\text{لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞ}$$

      (سورة الشورى: 11).


 

ثالثاً: الرؤية هي قمة النعيم وجزاء التوحيد

 

إن إثبات الرؤية ليس مجرد خلاف لفظي، بل هو من أعظم مسائل الاعتقاد التي تترتب عليها آثار إيمانية عميقة:

  1. النعيم الأكبر: الرؤية هي أكمل وأجلّ نعيم لأهل الجنة، وهي التي تُنسيهم كل ما عداها من نعيم الجنة.
  2. جزاء الإحسان: الرؤية هي الجزاء الأوفى لأهل الإحسان الذين عبدوا الله في الدنيا كأنهم يرونه.

خلاصة القول:

إن الأدلة الشرعية على رؤية الله تعالى يوم القيامة قطعية وصريحة، وأي محاولة لنفيها هي في حقيقتها تأويل باطل لنصوص الإثبات أو سوء فهم لنصوص النفي. عقيدة أهل السنة هي “إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي ما نفاه عن نفسه، دون تكييف أو تمثيل”، ومن ذلك إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.

السابق
رد الشبهات حول ثبوت كرامات الأولياء
التالي
شبهات حول الشفاعه