مقال: شروط العمرة عن الغير (إنابة الأحياء والأموات)
تُعد العمرة عن الغير (النيابة في العمرة) من الأعمال الصالحة التي يتقرب بها المسلم إلى الله، إحساناً منه لوالديه أو لمن يعز عليه. وقد أجمع الفقهاء على جواز النيابة في العمرة (والحج) نظراً لكونها عبادة مالية بدنية تدخلها النيابة عند تحقق شروط معينة، خاصة لمن عجز عن أدائها بنفسه.
تنقسم شروط العمرة عن الغير إلى شروط تتعلق بـ “النائب” (المُعتمر) وشروط تتعلق بـ “المُنَاب عنه” (الشخص الذي تؤدى عنه العمرة).
أولاً: شروط المُنَاب عنه (الشخص الذي تؤدى عنه العمرة)
يجب التفريق بين حالتين رئيسيتين:
1. العمرة عن الميت
تجوز العمرة عن الميت بالإجماع، سواء أوصى بذلك أو لم يوصِ، وسواء كانت العمرة التي تُؤدى عنه هي عمرة الإسلام الواجبة أو عمرة تطوع (نافلة).
- الدليل: وردت أحاديث صحيحة تدل على جواز الحج والعمرة عن الميت، ومنها إلحاق العمرة بالحج في هذا الحكم لكونهما نسكين متشابهين.
2. العمرة عن الحي (الحي العاجز)
إقرأ أيضا:ما مقدار المبيت بمنى
لا تجوز النيابة في العمرة عن الحي القادر على أدائها بنفسه (إجماعاً). أما إذا كان الحي عاجزاً، فالشروط كالتالي:
تنبيه: العجز المالي (الفقر) لا يُعتبر عجزاً مُسقِطاً للوجوب يجوز معه النيابة، لأن العمرة لا تجب أصلاً إلا على المستطيع مادياً.
إقرأ أيضا:ما هي أركان العمرة
ثانياً: شروط النائب (المُعتمر عن الغير)
وهي شروط تتعلق بالشخص الذي يقوم بأداء العمرة نيابةً عن غيره:
1. الإتيان بالعمرة عن نفسه أولاً (الشرط الأهم)
اشترط جمهور العلماء (المالكية والشافعية والحنابلة) لصحة النيابة في العمرة أن يكون النائب قد أدى العمرة الواجبة عن نفسه أولاً، استدلالاً بحديث شُبْرُمة حين سأله النبي صلى الله عليه وسلم: “حججتَ عن نفسك؟” قال: لا. قال: “حجّ عن نفسك ثم حجّ عن شُبْرُمَة”.
- الحكم العملي: إذا كان الشخص لم يعتمر عن نفسه، فإنه يُحرم أولاً بعمرة عن نفسه، ثم بعد أن يحل منها، يخرج إلى الميقات (كالتنعيم/مسجد عائشة) ويُحرم بعمرة ثانية عن الشخص المُراد الاعتمار عنه.
2. النية الصريحة عند الإحرام
يجب على النائب أن ينوي العمرة عن الشخص المُراد الإنابة عنه عند عقد الإحرام من الميقات.
- صيغة النية: يُستحب التلفظ بها فيقول: “لبيك اللهم عمرة عن فلان/فلانة”، وينوي بقلبه أن هذا النسك هو للشخص المنوب عنه.
- عزل النية: لا يجوز التشريك في العمرة الواحدة؛ فلا يصح أن ينويها لشخصين، أو ينويها لنفسه ولغيره في ذات النسك.
إقرأ أيضا:كيفية أداء العمرة عن الميت
3. شروط عامة في النائب
يُشترط في النائب ما يُشترط في أي معتمر:
- أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً.
- أن يكون مُحرماً من الميقات الشرعي للطريق الذي قدم منه.
- أن يؤدي المناسك بشكل صحيح (الطواف، والسعي، والتحلل).
ثالثاً: حكم أخذ الأجرة (المال) على العمرة
اختلف العلماء في حكم أخذ المال مقابل أداء العمرة عن الغير:
- الجواز (الجمهور): ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز أخذ الأجرة على الحج أو العمرة، ويكون الأجر مقابل الخدمة والتفرغ لأداء النسك، وليس مقابل الأجر والثواب (فالأجر والثواب يقع للمُنَاب عنه).
- الشرط: يجب أن تكون نية النائب هي التقرب إلى الله وأداء العبادة، واستعان بالمال على النفقة والسفر، وليس قصده الأصلي هو الدنيا والربح.
رابعاً: كيفية أداء العمرة عن الغير (الصفة العملية)
- الإحرام: يتوجه النائب إلى الميقات ويغتسل ويتطيب ويستعد للإحرام.
- عقد النية: يعقد النية صراحةً قائلاً: “لبيك اللهم عمرة عن [فلان أو فلانة]”.
- أداء المناسك: يؤدي النائب جميع مناسك العمرة (الطواف والسعي والتحلل) نيابة عن المنوب عنه.
- الأجر والثواب: يقع الثواب والأجر في ميزان حسنات الشخص المنوب عنه بإذن الله.
العمرة عن الغير هي باب من أبواب البِر والرحمة، خاصة بالوالدين والأقارب، وهي دليل على ترابط الأمة وتكافلها في أداء الواجبات الدينية.
