مقدمة
تُعدّ سجدات التلاوة من السنن المؤكدة في الإسلام، حيث يسجد المسلم شكرًا لله سبحانه وتعالى عند قراءة أو سماع آية تحتوي على أمر بالسجود. تُعتبر هذه السجدات تعبيرًا عن الخضوع والتذلل لله، وهي تأتي في مواضع محددة في القرآن الكريم. يهدف هذا المقال إلى توضيح عدد سجدات التلاوة في القرآن الكريم، وذكر مواضعها بالتفصيل، مع الإشارة إلى أهميتها وفضلها.
عدد سجدات التلاوة في القرآن الكريم
اختلف العلماء في عدد سجدات التلاوة في القرآن الكريم بناءً على اختلاف الروايات والمذاهب الفقهية. ومع ذلك، فإن الرأي الأكثر شيوعًا بين أهل العلم هو أن عدد سجدات التلاوة 15 سجدة موزعة على 14 سورة في القرآن الكريم. الاختلاف يأتي في بعض الآيات التي يرى بعض العلماء أن السجود فيها مستحب وليس واجبًا، أو أنها ليست سجدة تلاوة بالمعنى الفقهي.
مواضع سجدات التلاوة
فيما يلي قائمة بمواضع سجدات التلاوة في القرآن الكريم، مرتبة حسب ترتيب السور في المصحف الشريف، مع ذكر الآية والسورة:
-
سورة الأعراف (الآية 206):
إقرأ أيضا:فضل سورة ص: تفسير موسع ودروس مستفادة
“إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ۩”.
هذه أول سجدة تلاوة في ترتيب المصحف، وتتحدث عن تسبيح الملائكة وسجودهم لله. -
سورة الرعد (الآية 15):
“وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ۩”.
توضح هذه الآية سجود الكائنات لله طوعًا وكرهًا. -
سورة النحل (الآية 49):
“وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۩”.
تشير إلى سجود كل المخلوقات لله، بما في ذلك الملائكة. -
سورة الإسراء (الآية 107):
“قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ۩”.
تتحدث عن سجود أهل العلم عند سماع القرآن. -
سورة مريم (الآية 58):
“أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ… إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩”.
تذكر سجود الأنبياء وأهل الإيمان عند تلاوة آيات الله. -
سورة الحج (الآية 18):
“أَلَمْ تَرَ أَنَّ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ… ۩”.
تصف سجود الكون بأسره لله سبحانه. -
سورة الحج (الآية 77):
إقرأ أيضا:سبب نزول سورة الفلق
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩”.
هذه السجدة خاصة ببعض القراءات (مثل قراءة حفص عن عاصم)، وتدعو المؤمنين إلى السجود والعبادة. -
سورة الفرقان (الآية 60):
“وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ۩”.
تتحدث عن رفض المشركين للسجود لله. -
سورة النمل (الآية 25):
“أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۩”.
تشير إلى أهمية السجود لله العالم بالسر والعلن. -
سورة السجدة (الآية 15):
“إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۩”.
تصف إيمان المؤمنين الحقيقيين الذين يسجدون عند سماع الآيات. -
سورة ص (الآية 24):
“قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ… فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩”.
تتعلق بقصة النبي داود عليه السلام وسجوده توبة إلى الله. -
سورة فصلت (الآية 38):
“فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ۩”.
تتحدث عن تسبيح الملائكة وسجودهم لله. -
سورة النجم (الآية 62):
إقرأ أيضا:بحث عن سورة الحديد
“فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ۩”.
أمر مباشر بالسجود لله والعبادة. -
سورة الانشقاق (الآية 21):
“وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ ۩”.
تنتقد عدم سجود الكافرين عند سماع القرآن. -
سورة العلق (الآية 19):
“كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ۩”.
تدعو إلى السجود لله والتقرب إليه، وهي آخر سجدة تلاوة في المصحف.
حكم سجدة التلاوة
سجدة التلاوة سنة مؤكدة عند جمهور العلماء (الحنفية، المالكية، والشافعية)، بينما يرى الحنابلة أنها واجبة. يُستحب لمن يقرأ أو يسمع آية السجدة أن يسجد سجدة واحدة، ويقول فيها: “سبحان ربي الأعلى” أو “اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت”. يُشترط للسجدة أن تكون على طهارة واستقبال القبلة عند بعض الفقهاء، بينما يرى آخرون أنها جائزة بدون طهارة.
فضل سجدة التلاوة
وردت أحاديث نبوية تشير إلى فضل سجدة التلاوة، منها ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، ابتعد الشيطان يبكي يقول: يا ويلي، أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فعصيت فلي النار”. هذا الحديث يبرز أهمية السجود كعمل يقرب العبد من الله ويبعده عن الشيطان.
الاختلافات في عدد السجدات
-
سورة الحج: الآية 77 تُعتبر سجدة عند قراءة حفص عن عاصم، ولكنها ليست سجدة عند بعض القراءات الأخرى.
-
سورة النساء (الآية 102): بعض العلماء اعتبروا أن هناك سجدة فيها، لكن الرأي الراجح أنها ليست سجدة تلاوة.
-
سورة إبراهيم (الآية 15): هناك اختلاف طفيف حول اعتبارها سجدة تلاوة.
كيفية أداء سجدة التلاوة
-
عند قراءة أو سماع آية السجدة، يُستحب أن يقول المسلم: “الله أكبر”.
-
يسجد سجدة واحدة على الأرض، موجهًا إلى القبلة.
-
يقول أثناء السجود: “سبحان ربي الأعلى” أو أذكار السجود الأخرى.
-
يرفع من السجود قائلًا: “الله أكبر”.
-
لا تشترط السلام بعد السجدة، لأنها ليست صلاة.
خاتمة
سجدات التلاوة في القرآن الكريم هي لحظات إيمانية خاصة تعزز ارتباط المسلم بربه. بإجمالي 15 سجدة موزعة على 14 سورة، تُعد هذه السجدات فرصة للتذلل والتقرب إلى الله. من خلال معرفة مواضع هذه السجدات والالتزام بأدائها، يستطيع المسلم أن يعيش تجربة روحانية عميقة أثناء تلاوة القرآن. نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا.
