🕌 فتح كاشغر: الوصول إلى حدود الصين في عهد قتيبة بن مسلم
تُعد كاشغر (Kashgar)، الواقعة في تركستان الشرقية (مقاطعة شينجيانغ حالياً في غرب الصين)، من أهم المدن التاريخية الواقعة على طريق الحرير، وكانت تمثل نقطة تماس حضارية بين العالم الإسلامي والممالك التركية والصينية. تاريخ المدينة يشهد محطات متعددة لدخول الإسلام، لكن الفتح الإسلامي في العصر الأموي، بقيادة القائد الفاتح قتيبة بن مسلم الباهلي، يظل هو الأبرز.
أولاً: ⚔️ قتيبة بن مسلم وفتوحات ما وراء النهر
كان قتيبة بن مسلم الباهلي والياً على خراسان في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك. وقد كان قتيبة من أعظم قادة الفتوحات، حيث نجح في عبور نهر جيحون (آموداريا) وفتح مدن وحصون إقليم ما وراء النهر، مثل بخارى وسمرقند.
1. الهدف الأقصى (حدود الصين)
بعد فتح سمرقند وغيرها من المدن الكبرى، توجّه قتيبة بجيشه نحو الشرق، وقد كان هدفه المعلن هو الوصول إلى حدود الصين مباشرة. وفي عام 96 هـ (714 م)، وصل قتيبة إلى أقصى نقطة متاخمة لتركستان الشرقية والصين.
إقرأ أيضا:معركة ذات الصواري
2. الوصول إلى كاشغر
سار قتيبة بجيشه من فرغانة، مخترقاً الممرات الجبلية، حتى وصل إلى حدود مدينة كاشغر. المصادر التاريخية العربية تشير إلى أن قتيبة افتتح كاشغر وقام بإخضاعها، إما بالقتال المباشر أو بالضغط العسكري الذي أجبر حاكمها على المصالحة. وقد كان وصول قتيبة إلى كاشغر يعتبر حينها وصولاً إلى “أدنى مدائن الصين”، حيث كانت الحدود الصينية تارة تضم تركستان الشرقية وتارة تنحسر عنها.
ثانياً: 🤝 قصة وفد قتيبة إلى ملك الصين
يعكس الحدث الذي تلى فتح كاشغر براعة قتيبة بن مسلم السياسية والعسكرية، وهو اللقاء غير المباشر بملك الصين (سوان زونغ).
- رسالة التهديد: شعر ملك الصين بقوة المسلمين وخطورة توغلهم، فأرسل رسولاً إلى قتيبة يسأله عن حقيقة جيشه وطلباته.
- خيارات قتيبة: أرسل قتيبة بن مسلم وفداً من عشرة من خيرة رجاله، برئاسة هبيرة الكلابي، حاملاً رسالة لملك الصين تعرض عليه ثلاثة خيارات:
- الإسلام: فيكون له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.
- الجزية: يدفع الجزية مقابل الحماية والأمان.
- الحرب: وهي التي سيعقبها دمار شامل.
- عرض القوة: أراد قتيبة أن يُظهر قوة المسلمين بأشكالها الثلاثة لملك الصين: جمالهم في العبادة، وحكمتهم في الملبس، وبأسهم في القتال. فكان الوفد يظهر في اليوم الأول بهيئة العباد (الصلاة)، وفي اليوم الثاني بهيئة الزينة والأبهة، وفي اليوم الثالث بهيئة الحرب والفروسية.
- رضوخ الملك: عندما رأى ملك الصين قوة المسلمين وبأسهم في القتال، ونقل له الوفد تصميم قتيبة على أن “لا يرجع حتى يطأ أرض الصين”، خاف الملك، وآثر السلم.
- الصلح والتراب: وافق ملك الصين على دفع الجزية السنوية وأرسل إلى قتيبة:
- إكليلاً مفصلاً بالجواهر.
- جُراباً من تراب بلده.
- أربعة غلمان من أبناء ملوكهم.
قَبِل قتيبة الجزية والأموال، وقام بختم الغلمان وإعادتهم إلى أهلهم دلالة على الوفاء بالعهد، ووَطِئ تراب الصين الذي أُرسل إليه، ليبرّ بذلك قَسَمه الذي كان قد أقسمه.
إقرأ أيضا:معركة عقرباء : حديقة الموت
ثالثاً: 🌿 الأهمية اللاحقة لكاشغر
على الرغم من أن الحكم الإسلامي المباشر لم يدم طويلاً في كاشغر بعد وفاة قتيبة، إلا أن المدينة ظلت بوابة مهمة لدخول الإسلام في آسيا الوسطى والصين:
- مركز التجارة والعلم: أصبحت كاشغر لاحقاً مركزاً إسلامياً مزدهراً على طريق الحرير، وتدفق إليها التجار والعلماء المسلمون.
- الإسلام الشعبي: تحولت كاشغر بشكل كامل إلى الإسلام كحكومة وشعب في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) على يد السلطان ستوق بغراخان، الذي يُعد شخصية محورية في تاريخ إسلام تركستان الشرقية.
إقرأ أيضا:معركة عين التمر : اسرع هزيمة في التاريخ
👑 خاتمة المقال:
يمثل فتح كاشغر بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي قمة الفتوحات الإسلامية في الشرق، ووصول الجيوش الإسلامية إلى أبعد الحدود المعروفة آنذاك. هذه المرحلة رسخت الإسلام في بلاد ما وراء النهر، وتركت أثراً عميقاً على المنطقة، فصارت كاشغر بؤرة حضارية عظيمة، وتُعد اليوم تذكيراً حياً بمدى اتساع الرقعة الإسلامية في العصر الذهبي للدولة الأموية.
هل تود مقالاً عن سيرة قتيبة بن مسلم الباهلي كفاتح عظيم؟
