السيدة خديجة رضي الله عنها: سيدة نساء قريش وأول من آمن بالرسالة
تُعد أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها مناراً شامخاً في تاريخ الإسلام، فهي الزوجة الأولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول من آفاه وصدقه، وكانت سنده وعضده في أصعب مراحل الدعوة. لم تكن خديجة مجرد زوجة، بل كانت نصف الإسلام في بدايته، ولقد حظيت بفضائل ومناقب لم تحظ بها غيرها من نساء العالمين.
أولاً: مكانة خديجة قبل الإسلام (الطاهرة)
كانت خديجة رضي الله عنها قبل الإسلام موصوفة بصفات الكمال التي أهّلتها لتكون وعاءً للرسالة الأولى:
- الطاهرة: لُقبت بـ”الطاهرة” في الجاهلية لما عُرف عنها من عفة وحسن خلق وطهارة سلوك.
- الشرف والوجاهة: كانت من أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهن شرفاً، وذات مال ووجاهة.
- الزواج النبوي: تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وبقيت زوجته الوحيدة، ولم يتزوج عليها أحداً حتى توفيت، مما يدل على مكانتها وعظيم حبه لها.
ثانياً: ريادة الإيمان والدعم المطلق
إقرأ أيضا:7- زينب بنت جحش رضي الله عنها
تتجلى فضائل خديجة الكبرى في الدور الذي لعبته في اللحظات الأولى لنزول الوحي:
1. أول من آمن من البشر
هي أول من أسلم من الرجال والنساء على الإطلاق بإجماع المسلمين. فبمجرد أن رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غار حراء خائفاً، كان إيمان خديجة به ثابتاً ويقينها عميقاً.
2. تثبيت النبي عند نزول الوحي
عندما نزل جبريل عليه السلام بالوحي لأول مرة على النبي صلى الله عليه وسلم، رجع إلى خديجة يرتجف قائلاً: “زملوني زملوني! لقد خشيت على نفسي”. فكان ردها التاريخي والمثبّت:
“كلَّا! واللهِ لا يُخزيكَ اللهُ أبدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَكسِبُ المَعدومَ، وتَقْري الضَّيفَ، وتُعينُ على نوائبِ الحقِّ” (رواه الباري).
هذا التثبيت النبيل لم يكن مجرد كلام عاطفي، بل كان استدلالاً عقلياً وأخلاقياً على عصمة النبي؛ فمن جمع هذه الخصال العظيمة لا يُخزيه الله أبداً.
3. المؤازرة بالنفس والمال
قال النبي صلى الله عليه وسلم: “آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدَّقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس”.
- المواساة بالنفس: كانت سنده النفسي والروحي في تحمل أذى قريش ومواجهة تكذيبهم.
- المواساة بالمال: أنفقت خديجة مالها وثروتها العظيمة على نصرة الدعوة، والتخفيف عن النبي والمستضعفين في مكة.
إقرأ أيضا:(2) سودة بنت زمعة رضي الله عنها
ثالثاً: بشارة الرحمن إليها في الحياة
القمة في فضائل خديجة رضي الله عنها هي التكريم الإلهي الذي وصلها وهي على قيد الحياة:
1. سلام الله عليها
في حديث عظيم، أتى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
“يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك ومعها إناء فيه إدام، أو طعام، أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قَصَبٍ، لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ” (متفق عليه).
- سلام من الله: هذا تشريف إلهي لم يُنقل إلى أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم غيرها.
- ردها: كان ردها: “إن الله هو السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام”.
2. البيت الموعود في الجنة
بشرها الله ببيت في الجنة:
- من قَصَبٍ: أي من اللؤلؤ المجوّف، وهو نوع من الجواهر النفيسة.
- لا صَخَبَ فيه: أي لا جَلَبة فيه ولا أصوات مزعجة، إكراماً لها على ما عانته من ضجيج وأذى في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة.
- لا نَصَبَ فيه: أي لا تعب فيه ولا مشقة، جزاءً لها على تحملها النصب والتعب في خدمة الدعوة والنبي.
إقرأ أيضا:(3) عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها
رابعاً: وفاء النبي صلى الله عليه وسلم وحبه الدائم
لم ينسَ النبي صلى الله عليه وسلم فضل خديجة بعد وفاتها (في عام الحزن)، وظل وفياً لذكراها حتى آخر حياته، فكان يذكرها خيراً ويكثر من الثناء عليها، ويهدي لأجلها إلى صديقاتها، حتى غارت منها عائشة رضي الله عنها فقالت: “ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما رأيتها”.
الخلاصة:
السيدة خديجة رضي الله عنها هي رمز للزوجة المؤمنة الصادقة، والقائدة الحكيمة، والسند الثابت في أوقات الشدة. كان فضلها على الإسلام عظيماً، وقد ارتقت بمنزلتها وإخلاصها إلى مقام لم يبلغه غيرها، فاستحقت أن تكون “سيدة نساء العالمين” في زمانها، وأن يقرئها الله تعالى السلام من فوق سبع سماوات.
