أمثال قرآنية

فيه شركاء متشاكسون

الآية الكريمة هي الآية 29 من سورة الزمر، وهي مثل بليغ يضربه الله تعالى لتوضيح الفرق بين التوحيد الخالص والشرك المشوب بالتعدد والتناقض. يصف الله حال المشرك الذي يعبد آلهة متعددة متضاربة الأوامر، كعبد مملوك لشركاء متشاكسين يتنازعون عليه، مقابل حال الموحد الذي يعبد إلهاً واحداً متماسك الأمر، كعبد مملوك لرجل واحد يعرفه ويطيعه بسلام.

السياق التاريخي وسبب النزول:

  • روى الإمام الطبري وابن كثير عن قتادة وابن عباس رضي الله عنهما أن الآية نزلت في شأن المشركين من قريش الذين كانوا يعبدون الأصنام إلى جانب الله، مثل اللات والعزى ومناة، فتارة يدعون صنماً للرزق، وتارة آخر للشفاء، مما يسبب تناقضاً وتشويشاً في عبادتهم.
  • في رواية أخرى عند البخاري: يُشير إلى اليهود والنصارى الذين يدعون أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، فأوامرهم متضاربة.
  • الآية جاءت ردّاً على المشركين الذين قالوا: “لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء”، فبين الله بطلان شركهم بهذا المثل الواضح.

التفسير المفصل للآية:

  1. ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ:
    • “رجلاً” هنا عبد مملوك.
    • “فيه شركاء متشاكسون”: شركاء مالكون متعددون يتنازعون عليه، كل يأمره بأمر مختلف، فهو في حيرة وتعب دائم، لا يدري من يطيع. يمثل المشرك الذي يعبد آلهة متعددة، كل إله يطلب عبادة مختلفة، فقلبه مشتت.
  2. وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ:
    • “سلماً لرجل”: عبد مملوك لرجل واحد فقط، يعرفه جيداً ويطيعه بسلام واطمئنان، دون تناقض أو تشويش. يمثل الموحد الذي يعبد الله وحده، فأوامره متماسكة، قلبه مطمئن.
  3. هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا:
    • سؤال بلاغي للإنكار: هل يستوي العبد المشتت مع الشركاء المتشاكسين، والعبد المطمئن مع السيد الواحد؟ لا يستويان أبداً، كذلك لا يستوي الشرك مع التوحيد.
  4. الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ:
    • الحمد لله على نعمة التوحيد ووضوح الحق.
    • أكثر الناس (المشركين) لا يعلمون هذا الفرق، فيصرون على الشرك جهلاً.

الدروس والعبر المستفادة من الآية:

  • عظمة التوحيد: هو سبب السلام النفسي والاطمئنان، قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (سورة الرعد: 28).
  • خطر الشرك: يسبب التشويش والتناقض في الحياة، كالإنسان الذي يتبع آراء متعددة متضاربة في الدين أو الدنيا.
  • للمسلمين: التمسك بالتوحيد الخالص، تجنب الشرك الخفي مثل الرياء أو اتباع الهوى.
  • في الدعوة: استخدام الأمثلة البليغة لتوضيح الحق، كما فعل الله.
  • تطبيق معاصر: في عصر التنوع الفكري، من يتبع مذاهب متضاربة أو أيديولوجيات متعددة يعيش في تشاكس، بينما الملتزم بدين واحد متماسك يعيش في سلام.
  • التحذير من الجهل: أكثر الناس لا يعلمون، فالواجب طلب العلم الشرعي لتمييز الحق.

أمثلة مشابهة في القرآن والسنة:

  • في سورة الحج (الآية 73): مثل عبادة الأصنام كالذباب الضعيف.
  • حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل الذي يعمل بشرك كمثل سراج في بيت مظلم، يضيء له ثم ينطفئ” (رواه أحمد، يشير إلى عدم الثبات).
  • قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه الذين يعبدون أصناماً متعددة، فوبخهم بالتوحيد.

قصة تطبيقية من السيرة:

  • المشركون في مكة كانوا يدعون الله في الشدة، ثم يشركون في الرخاء، فنزلت الآية تبين تناقضهم. أما الصحابة فكانوا موحدين، فاطمأنت قلوبهم رغم الابتلاءات.

في الختام، مثل “فيه شركاء متشاكسون” تحذير إلهي من الشرك بكل أنواعه، ودعوة للتوحيد الذي يجلب السلام والاطمئنان، فالحمد لله على نعمة الإسلام، ونسأل الله أن يثبتنا على التوحيد الخالص حتى نلقاه، ويجنبنا التشاكس والتناقض في العقيدة والعمل.

إقرأ أيضا:مثل الصحابة في التوارة والإنجيل
السابق
مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله
التالي
مثل الذي لا ينتفع بما آتاه الله من الهدى