قصة مريم العذراء عليها السلام: آية في الطهر والاصطفاء
تُعد قصة السيدة مريم بنت عمران عليها السلام، أم النبي عيسى عليه السلام، من أروع وأجلّ القصص التي وردت في القرآن الكريم، وتفردت بسورة كاملة تحمل اسمها (سورة مريم). قصتها هي قصة الإيمان المطلق، والطهارة، والاصطفاء الإلهي الذي تجاوز نواميس الطبيعة ليكون آية للعالمين.
أولًا: النذر والرعاية (النشأة والطهر)
تبدأ قصة مريم قبل ولادتها، حيث كانت من نسل طاهر يعود إلى آل عمران، وهو بيت كريم معروف بالصلاح.
1. الوفاء بالنذر
كانت أم مريم (حنة بنت فاقوذ) امرأة صالحة، نذرت ما في بطنها لخدمة بيت المقدس وتكريس حياته لله تعالى، على عادة الصالحين في ذلك الوقت. وعندما وضعت حنة ابنتها، ندمت قليلاً لأنها كانت تظن أنه سيكون ذكرًا، فقالت: “رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ” (آل عمران: 36). فتقبّلها الله بقبول حسن.
2. الكفالة والمعجزة
أراد زكريا عليه السلام، زوج خالتها وأحد أنبياء بني إسرائيل، أن يكفلها. وعندما تسابق الكهنة على كفالتها، أجروا قرعة عن طريق إلقاء أقلامهم في الماء، فرسَت الكفالة على زكريا عليه السلام إتمامًا للوعد.
إقرأ أيضا:الخطيئة الأصلية من المنظور الإسلامي- عناية الله ورزقه: نشأت مريم في خدمة المحراب ببيت المقدس. كان زكريا يجد عندها رزقًا غريبًا في غير أوانه، فكان يجد عندها ثمار الصيف في الشتاء وثمار الشتاء في الصيف. وعندما سألها: “يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ” (آل عمران: 37).
ثانيًا: الاصطفاء الإلهي وبشارة الملائكة
مع علو منزلتها وعبادتها، جاء الاصطفاء الإلهي الذي رفعها فوق نساء العالمين.
1. الاصطفاء والتطهير
نادتها الملائكة لتخبرها بأمر لم يبلغه أحد قبلها: “وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ” (آل عمران: 42). وكان هذا الاصطفاء ناتجًا عن عبادتها الخالصة: “يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ”.
2. البشارة بالولد
جاءت الملائكة (جبريل عليه السلام) تبشرها بولادة نبي عظيم اسمه المسيح عيسى. كان رد مريم عليها السلام يحمل التعجب والاستفهام الناتج عن عفافها وطهرها: “قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ” (آل عمران: 47). فكان حملها معجزة إلهية خالصة.
إقرأ أيضا:فضل السيدة مريم العذراء في الإسلام
ثالثًا: المعاناة والآية الكبرى (الولادة والدفاع)
بعد حملها، اعتزلت مريم الناس خوفًا من سوء الظن واتهام القوم.
1. الولادة تحت النخلة
عندما جاءها المخاض، اضطرت إلى اللجوء إلى مكان بعيد تحت نيمة يابسة. وفي شدة ضيقها، تمنت لو أنها ماتت قبل هذا الحدث: “يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا” (مريم: 23). ولكن الله لم يتركها، فجاءها الأمر الإلهي لتجدد الأمل:
- رزقها بالماء: ناداها جبريل: “أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا” (جدول ماء).
- رزقها بالطعام: أُمرت بهزّ جذع النخلة اليابسة لتسقط عليها رطبًا جنيًا: “وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا”.
2. معجزة نطق الرضيع
عندما عادت مريم بوليدها إلى قومها، لم تستطع الكلام دفاعًا عن نفسها، بل أشارت إلى الرضيع: “فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا” (مريم: 29). وهنا وقعت المعجزة الكبرى التي كانت خير شاهد على براءتها ونبوة ابنها:
“قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا” (مريم: 30).
إقرأ أيضا:هل الإسلام دين جميع الأنبياء؟
رابعًا: منزلتها الخالدة في الإسلام
أصبحت قصة مريم العذراء رمزًا للطهارة العقدية والأخلاقية. ويُقدّرها المسلمون لأسباب عديدة:
- آية في العفة: هي رمز الطهر والعفة التي لا تُضاهى.
- الإيمان بالغيب: قصتها كلها دليل على قدرة الله المطلقة على خلق ما يشاء كيف يشاء.
- سيدة نساء الجنة: اتفق علماء المسلمين على أنها من أفضل نساء العالمين، ومن سيّدات نساء أهل الجنة.
وبذلك، تُعد مريم عليها السلام نموذجًا للمؤمنة القانتة التي استسلمت لقدر الله المطلق، وكانت حياتها معجزة متكاملة من بدايتها إلى نهاية دورها، لتكون آية لكل الناس.
هل تود أن أتناول تفاصيل حياة النبي عيسى عليه السلام في مرحلة الشباب والدعوة؟
