يوسف الصدّيق: خاتمة قصة العز والتمكين
تُعد قصة النبي يوسف عليه السلام، التي وردت كاملة في سورة سميت باسمه، من أروع قصص القرآن الكريم في العبرة والعظة. ومع أن السورة فصلت في حياته منذ رؤياه وحتى جمعه بشمله في مصر، إلا أنها لم تذكر تفاصيل وفاته، ولم ترد في الأحاديث النبوية الصحيحة رواية مفصلة عن كيفية أو زمان وفاته، بل اكتفت بالإشارة إلى دعائه المذكور في القرآن.
نهاية حياة النبي الكريم
النبي يوسف عليه السلام عاش حياة مديدة في مصر، تميزت بالابتلاءات العظيمة ثم التمكين والسلطة، حيث أصبح عزيزاً لمصر ثم أميناً على خزائنها. أما عن نهاية حياته، فيمكن تلخيص ما توفر من معلومات تاريخية وإشارات دينية في النقاط التالية:
1. الدعاء بتمني الوفاة مسلمًا:
أهم إشارة إلى نهاية يوسف عليه السلام هي دعاؤه المشهور الذي ذُكر في نهاية قصته في القرآن، بعد أن رأى اكتمال نعم الله عليه بجمع شمله ورفعة شأنه:
قال تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (سورة يوسف: 101).
إقرأ أيضا:معلومات عن أبي سعيد الخدري
فبعد أن ذاق مرارة البلاء وحلاوة العز، وفهم حقيقة الدنيا، اشتاق للقاء ربه واختار الوفاة على الإسلام والانضمام إلى زمرة الأنبياء والصالحين.
2. عمره ومكان وفاته:
- عمره: ذكرت بعض الروايات التاريخية غير المعتمدة على السند الصحيح أنه توفي وعمره يناهز 110 سنوات أو 120 سنة، بعد حياة حافلة بالجهاد والصبر والعدل.
- مكان الوفاة: توفي يوسف عليه السلام في مصر، حيث قضى الشطر الأعظم من حياته وحكمها.
3. وفاته الطبيعية:
يُرجح جمهور العلماء والمؤرخين أن يوسف عليه السلام توفي وفاة طبيعية بعد عمر طويل قضاه في الدعوة والعدل والتمكين لدين الله. فلم يرد في النصوص الشرعية ما يشير إلى موته قتلاً أو شهادة في معركة.
قصة دفنه ونقله:
ما يميز قصة وفاة يوسف عليه السلام هو ما يتعلق بمكان دفنه، وهي قصة تناقلتها كتب التفسير والسير، وتؤكدها إشارات وردت في بعض الأحاديث النبوية الصحيحة:
1. الدفن في مصر والنيل (رواية):
اختلف أهل مصر في مكان دفن يوسف عليه السلام لشرف مكانته ورغبتهم في التبرك به، حتى كاد الأمر أن يؤدي إلى فتنة. فاقترحوا في النهاية أن يوضع في صندوق من المرمر أو الرصاص ويدفن في قاع نهر النيل، وذلك لتعم البركة والنفع جميع أهل مصر، حيث كان النيل مصدر حياتهم.
إقرأ أيضا:أحسن الصحابة قراءة للقرآن
2. النقل إلى الشام على يد موسى عليه السلام:
القصة الأكثر شهرة، والتي وردت فيها إشارة نبوية، هي نقل جسد يوسف عليه السلام لاحقًا:
- وصية يوسف: كان يوسف قد أوصى إخوته قبل وفاته أن يُنقل جسده بعد الخروج من مصر ليدفن مع آبائه الأنبياء في الشام (فلسطين).
- إخراج موسى لجسده: بعد قرون طويلة، وقبل خروج بني إسرائيل من مصر مع موسى عليه السلام، أمره الله أن يحمل رفات يوسف معه تنفيذًا لوصيته.
- الاستدلال على القبر: واجه موسى صعوبة في العثور على القبر حتى أرشدته إليه عجوز من بني إسرائيل، حيث استخرجوا جسده.
- مكان الدفن النهائي: نُقل جسده إلى الشام، ويُعتقد أنه دُفن بجوار آبائه (إبراهيم وإسحاق ويعقوب) في الخليل أو في مدينة نابلس بفلسطين (ويُعرف مقام يُنسب إليه هناك، وإن كان تحديد قبور الأنبياء غالباً ما يكون محل خلاف بين العلماء والمؤرخين عدا قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم).
خاتمة:
إقرأ أيضا:اين ولد المسيحإن تفاصيل وفاة الأنبياء، بخلاف المصير الأخروي المضمون لهم، لا تؤثر على العقيدة. الأهم في سيرة يوسف عليه السلام هو العبرة من حياته المليئة بالصبر، والتمكين، والعفو، والعدل، حتى توفاه الله وهو “مسلم”، تاركاً خلفه نموذجاً خالداً في تحويل المحنة إلى منحة، والابتلاء إلى ملك وتمكين.
