أحاديث

ما هو الحديث المتواتر

 

ما هو الحديث المتواتر؟ حجر الزاوية في مصادر التشريع الإسلامي

 

يُعدّ علم مصطلح الحديث من أشرف العلوم في الإسلام، فهو العلم الذي يُمكّن من التمييز بين ما صحّ نسبته إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وما لم يصح. وفي هذا العلم، يحتل “الحديث المتواتر” مكانة قصوى، إذ يمثل قمة اليقين والثبوت في النقل.

إن الحديث المتواتر هو الحجر الذي تُبنى عليه أساسات العقائد وأصول التشريع، ولذلك فإنّ معرفة تعريفه وشروطه هي مفتاح لفهم قوة الدليل في المصدر الثاني للإسلام بعد القرآن الكريم.


 

تعريف الحديث المتواتر

 

يُعرف الحديث المتواتر اصطلاحاً بأنه:

“ما رواه عدد كثير، يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس، وكان مستند علمهم هو الحس.”

لتوضيح هذا التعريف، يجب تفكيكه إلى الشروط الأساسية التي لا يقوم الحديث المتواتر إلا بها:

 

الشروط الأساسية للتواتر

 

للحكم على حديث ما بأنه متواتر، يجب أن تتحقق فيه أربعة شروط رئيسية:

 

1. أن يرويه عدد كثير (الكثرة العددية)

 

إقرأ أيضا:مفهوم الحديث الشريف في الإسلام

يجب أن يكون عدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند (من الصحابة، فالتّابعين، فتابعي التابعين… إلخ) عدداً كبيراً. وقد اختلف العلماء في تحديد هذا العدد، فمنهم من قال عشرة، ومنهم من قال اثنا عشر، ومنهم من قال سبعون.

والراجح أن الفيصل ليس عدداً محدداً بقدر ما هو عدد يُفيد اليقين القطعي.

 

2. أن تُستحال العادة تواطؤهم على الكذب

 

وهذا هو جوهر التواتر. فلا يكفي مجرد الكثرة العددية، بل يجب أن تُفضي هذه الكثرة إلى ثقة تامة يستحيل معها اجتماع هذا العدد على الكذب والتواطؤ عليه. ويتحقق هذا عادةً بوجود الرواة في أماكن متفرقة ومتباينة ومذاهب مختلفة، فلا تكون بينهم مصلحة مشتركة للكذب.

 

3. أن تكون هذه الكثرة في جميع طبقات السند

 

يجب أن يتحقق شرط الكثرة العددية في جميع مراحل النقل، من أول السند إلى آخره. فلو نقص العدد في طبقة واحدة، لانقطع التواتر وأصبح الحديث من قبيل “الآحاد” (الذي سنتناوله لاحقاً).

 

4. أن يكون مستند الرواية الحس

 

أي أن يكون الرواة قد أسندوا الحديث إلى شيء سمعوه أو رأوه أو لمسوه (من قبيل الحس)، مثل قولهم: “سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول كذا”، أو “رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا”. وهذا يخرج ما كان مستنده العقل أو الاجتهاد.

إقرأ أيضا:حديث اتقوا النار ولو بشق تمرة

 

أقسام الحديث المتواتر

 

يقسم علماء الحديث المتواتر إلى نوعين رئيسيين:

 

1. المتواتر اللفظي

 

وهو ما اتفق الرواة فيه على لفظ الحديث ومعناه، ولم يختلفوا في صياغته.

  • مثال: حديث: “مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.” فقد رواه أكثر من سبعين صحابياً بألفاظ متقاربة جداً.

 

2. المتواتر المعنوي

 

وهو ما اتفق الرواة فيه على المعنى الكلي للحديث، واختلفوا في ألفاظه وصيغه، بحيث يُستفاد من مجموع هذه الروايات المختلفة معنى متواتر مشترك.

  • مثال: أحاديث رفع اليدين في الدعاء. لم يأتِ حديث واحد يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في كل دعاء، ولكن ورد عنه الرفع في مواقف متفرقة (الاستسقاء، قنوت الوتر، عند رمي الجمرات…). فمجموع هذه المواقف يُفيد أن رفع اليدين عند الدعاء كان من عادته صلى الله عليه وسلم.

 

حكم الحديث المتواتر

 

يُفيد الحديث المتواتر العلم اليقيني الضروري، أي أنّه يوجب التصديق الجازم بصدقه، بحيث يكون كالشيء الذي يراه الإنسان بعينيه، ولا يمكنه دفعه أو إنكاره.

إقرأ أيضا:أحاديث عن رحمة الله

ولذلك، يُعتبر المتواتر مقبولاً عند جميع علماء الحديث والعقيدة، ولا يُبحث عن شروط رواته (كالعدالة والضبط) لأن الكثرة المجتمعة على النقل تستغني عن النظر في حال كل فرد منهم.


 

خاتمة

 

يُمثل الحديث المتواتر الدرجة العليا من الثبوت في السُنّة النبوية، فهو دليل قطعي لا مجال للشك فيه. وقد تكفّل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم، وتكفلت عنايته بحفظ السُنة النبوية، وكان الحديث المتواتر أحد أهم الأدوات التي ضمنت وصول جزء كبير من التشريع النبوي إلينا بمنتهى اليقين والوثوق.

السابق
مفهوم الحديث النبوي
التالي
شروط الإمام البخاري في قبول الحديث