مقدمة
في تراث السنّة النبوية المطهّرة، ترد إلينا أحاديث تحمل بين طياتها إشارات طبية ونفسية عميقة، ومن ذلك ما جاء عن ما يُعرف بـ “رُقيَة النملة”، وهي تسمية لرقية قديمة كانت تُستخدم في الجاهلية، ثم ورد ذكرها في عهد النبي ﷺ.
فما المقصود بـ”رقية النملة”؟ وما مشروعيتها في ضوء الإسلام؟ وهل ما زالت تُستخدم اليوم بصيغ شرعية؟ في هذا المقال نتناول هذه المسألة بشيء من التفصيل والتأصيل الشرعي.
معنى “رقية النملة”
📌 من الناحية اللغوية:
الرُّقْية: هي ما يُقرأ من الأدعية أو الآيات بنية الاستشفاء.
أما “النملة”: فهي هنا اسم لمرض جلدي، أُطلق عليه هذا الاسم مجازًا؛ لأن أثره يشبه لسعة النملة أو حركتها على الجلد، وقد كان معروفًا في زمن العرب.
📌 من الناحية الطبية:
اختلف العلماء في تحديد المقصود بـ”النملة”، لكن الأقوال ترجّح أنه:
-
مرض جلدي يُشبه الأكزيما أو الحزاز.
-
أو حكة مزمنة تتسبب في تهيّج الجلد.
-
أو نوع من الطفح الجلدي يشبه آثار لدغات النمل.
إقرأ أيضا:أعراض ما بعد الرقية الشرعية: بين الأثر الروحي والاستجابة الجسدية
وليس المقصود “نملة” حقيقية، بل تشبيه لحركة أو أثر المرض.
رُقيَة النملة في السنّة النبوية
ورد ذكر “رقية النملة” في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم:
عن الشفاء بنت عبد الله رضي الله عنها، قالت:
“دخل عليَّ النبي ﷺ وأنا عند حفصة، فقال لي: ألا تُعلّمين هذه -يعني حفصة- رُقيَة النملة كما علمتِها الكتابة؟”
(رواه مسلم)
دلالات الحديث:
-
النبي ﷺ أقرّ هذه الرقية ولم يُنكرها.
-
أمر بتعليمها، وهذا يدل على مشروعية استخدامها ما دامت خالية من ألفاظ شركية.
-
الشفاء بنت عبد الله كانت معروفة بالعلم والفضل، وكانت من النساء اللواتي يكتبن ويعلّمن، فوثق النبي ﷺ برقيتها.
حكم “رقية النملة” في الإسلام
اتفق العلماء على أن الرقية جائزة بشروط، كما جاء في الحديث الصحيح:
قال رسول الله ﷺ:
“اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك.”
(رواه مسلم)
شروط الرقية الشرعية:
-
أن تكون بكلام مفهوم ومشروع (قرآن، أدعية نبوية).
إقرأ أيضا:مشروعية سماع الرقية الشرعية من الهاتف -
ألا تحتوي على ألفاظ شركية أو استعانة بالجن أو الكواكب.
-
أن يُعتقد أن الشفاء من عند الله وحده، لا من الرقية نفسها.
وعليه، فإن رقية النملة جائزة إذا كانت بالصيغة المشروعة، أما إن كانت بكلمات باطلة أو مجهولة، فهي ممنوعة.
هل تُستخدم رقية النملة اليوم؟
في الوقت المعاصر، يمكن الاستفادة من الرقى المشروعة لعلاج الأمراض الجلدية أو النفسية، لا سيما ما كان سببه عين أو سحر أو مسّ.
أما إن كانت “رقية النملة” بصيغتها القديمة محفوظة عند بعض الناس، فيُشترط فيها ما سبق ذكره من الشروط الشرعية.
ومن الأفضل أن يُستعاض عنها بـ:
-
قراءة سورة الفاتحة.
-
قراءة آية الكرسي.
-
الدعاء النبوي:
“أذهب الباس، رب الناس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا.”
إقرأ أيضا:دلالة برود الرجلين أثناء الرقية الشرعية
خلاصة
“رقية النملة” كانت نوعًا من الرقى المشهورة عند العرب، وقد أقرها النبي ﷺ حينما تبين له خلوّها من الشرك، مما يدل على مرونة الإسلام في التعامل مع العلاجات الشعبية النافعة، ما دامت منضبطة بالضوابط الشرعية.
فالإسلام دين يُوازن بين العقيدة السليمة والاستفادة من الخبرات الإنسانية في التداوي، دون أن يفتح بابًا للخرافة أو البدعة.
