أمثال قرآنية

مثل الذين لا يجيبون داعي الله

مثل الذين لا يجيبون داعي الله كالأنعام بل أضل في القرآن الكريم مع تفسير الآية الكاملة وأسباب النزول والأحاديث النبوية المتعلقة بأهمية الاستجابة للدعوة والدروس العظيمة في الإيمان والطاعة والتحذير من الإعراض

يُضرب الله تعالى في كتابه العزيز مثلًا بليغًا يُبين حال الذين يُدعون إلى الإسلام والهداية فلا يستجيبون، فهم كالأنعام التي تسمع الصوت لكن لا تفهم المعنى، بل أضل سبيلاً، كما في قوله تعالى في سورة الأعراف (الآية 179): {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}. هذا المثل يُصور الكافرين والمعرضين عن دعوة الله ورسوله بأنهم يملكون القلوب والأعين والآذان، لكنهم لا يستخدمونها في فهم الحق وإبصاره والاستماع إليه، فهم كالبهائم بل أسوأ.

السياق التاريخي وسبب النزول:

  • روى الإمام الطبري وابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الآية نزلت في كفار قريش الذين سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا، ورأوا الآيات البينات، لكنهم أعرضوا وعاندوا، مثل أبي جهل والوليد بن المغيرة الذين قالوا: “قلوبنا في أكنة”.
  • في رواية أخرى عند مسلم: تشمل المنافقين واليهود الذين كانوا يسمعون الدعوة لكن لا يستجيبون إيمانًا.
  • الآية جاءت بعد ذكر قصص الأمم السابقة التي هلكت بسبب الإعراض، لتحذير المشركين من مصير مشابه إن لم يستجيبوا لداعي الله.

التفسير المفصل للآية:

  1. وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ:
    • “ذرأنا”: خلقنا وأنشأنا.
    • كثير من الجن والإنس خلقوا للنار بسبب اختيارهم الكفر والإعراض، لا ظلمًا من الله.
  2. لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا:
    • يملكون الأدوات (قلب، عين، أذن)، لكن لا يستخدمونها في التفقه بالحق، الإبصار بالآيات، السماع بالدعوة.
    • سبب: الإعراض والكبر، فأعماهم الله عن الهدى.
  3. أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ:
    • “كالأنعام”: البهائم تسمع الصوت لكن لا تفهم، تأكل وتشرب دون عقل أو تكليف.
    • “بل هم أضل”: الأنعام معذورة لعدم التكليف، أما هم فمكلفون ويملكون العقل، فإعراضهم أشد ضلالاً.
  4. أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ:
    • غفلة عن الله والآخرة، فهم يعيشون للدنيا فقط.

الأحاديث النبوية المتعلقة بأهمية الاستجابة للدعوة:

  • حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، وكانت منها قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله” (رواه البخاري)، يبين الاستجابة والإعراض.
  • حديث ابن عمر: “من دعي إلى الإسلام فأجاب فله أجران، ومن لم يجب فله إثم” (مستفاد من أحاديث الدعوة).
  • حديث جرير بن عبد الله: بايع النبي على “السمع والطاعة”، يؤكد الاستجابة.

أسباب عدم الاستجابة لداعي الله:

  • الكبر والاستكبار: كقول فرعون: {أنا ربكم الأعلى}.
  • اتباع الهوى والشهوات.
  • تأثير الشيطان والأقران.
  • الغفلة عن الآخرة.

الدروس والعبر المستفادة:

  • الاستجابة واجبة: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (الأنفال: 24).
  • العقل للتكليف: لا تستخدمه في الدنيا فقط، بل في فقه الدين.
  • للمسلم: استجب للدعوة، وادعُ غيرك بالحكمة، ولا تيأس من الإعراض.
  • تحذير من الغفلة: الإعراض يؤدي إلى النار، والاستجابة إلى الجنة.
  • تطبيق معاصر: من يسمع الخطب والدروس لكن لا يطبق، كالأنعام.

قصص تطبيقية من السيرة:

  • أبو طالب: سمع الدعوة وحمى النبي، لكن لم يستجب إيمانًا، فمات على الجاهلية.
  • عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سمع القرآن فاستجاب، فأصبح خليفة.
  • قريش في بدر: أعرضوا عن الدعوة، فهلكوا.

في الختام، مثل الذين لا يجيبون داعي الله كالأنعام بل أضل تحذير إلهي من الإعراض عن الدعوة، ودعوة للاستجابة بالإيمان والعمل، فالهداية حياة للقلوب، والغفلة موت، نسأل الله أن يجعلنا من المستجيبين لدعوته، ويثبتنا على الحق، ويهدي بنا غيرنا برحمته.

إقرأ أيضا:مثل الصحابة في التوارة والإنجيل
السابق
مَثَلُ قدرة الله على البعث
التالي
مثل أعمال الكافرين كرماد