أمثال قرآنية

مثل الذي لا ينتفع بما آتاه الله من الهدى

يُضرب الله تعالى في كتابه العزيز أمثلة بليغة لتوضيح حال الذين يُعرضون عن الهداية رغم وضوحها، ومن أبرزها مثل الذي لا ينتفع بما آتاه الله من الهدى، كما في قوله تعالى في سورة الأعراف (الآية 176): {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. هذا المثل يصف حال الإنسان الذي يُعطى العلم والنعمة، لكنه يُصر على اتباع الهوى، فلا ينتفع بهداية الله، كالكلب الذي يلهث دائماً سواء طُرد أم تُرك.

السياق التاريخي وسبب النزول:

  • روى الإمام الطبري وابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الآية نزلت في بلعم بن باعوراء، عالم بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام، كان يعرف الاسم الأعظم، ويُستجاب دعاؤه. لما أراد ملك كنعان (بلعام) أن يلعن موسى وقومه، استدعى بلعم، فرفض أولاً خوفاً من الله، لكنه أغواه الملك بالمال والجاه، فأخلد إلى الأرض واتبع هواه، فدعا على موسى، فانقلبت الدعوة عليه، وصار يلهث كالكلب.
  • في رواية أخرى عند البخاري: يُشير إلى بعض المنافقين أو اليهود الذين عندهم علم التوراة لكنهم لا يعملون به.
  • الآية السابقة (175) تقول: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ}، فهي تكملة لقصة بلعم.

التفسير المفصل للمثل:

  1. وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا:
    • “بهَا” أي بالآيات والهداية. لو أراد الله لرفعه درجات في الدنيا والآخرة بعمله بها، لكنه اختار الإخلاد إلى الأرض (الدنيا والشهوات).
  2. وَاتَّبَعَ هَوَاهُ:
    • الهوى هو الميل إلى الشهوات دون هدى، قال تعالى في موضع آخر: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ} (سورة الجاثية: 23).
  3. فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث:
    • الكلب يلهث (يُخرج لسانه من التعب والعطش) دائماً، سواء طُرد (حُمل عليه بالضرب) أم تُرك في راحة. كذلك الكافر أو العاصي: حاله واحدة في الضلال، سواء دُعي إلى الحق أم تُرك، فهو لا يتغير ولا ينتفع بالهداية.
    • الفرق بين الكلب والإنسان: الكلب معذور لأنه حيوان، أما الإنسان فملام لأنه مكلف.
  4. ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا:
    • يعمم المثل على كل من كذب بالقرآن أو السنة رغم علمه بها.

الدروس والعبر المستفادة:

  • اغتنام الهداية: العلم بدون عمل كالشجرة بدون ثمر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل الذي يتعلم العلم ثم لا يعمل به كمثل الذي يكنز الكنز ولا ينفقه” (رواه الطبراني).
  • خطر اتباع الهوى: يؤدي إلى الانسلاخ من الهدى، ويجعل الشيطان يتبعه.
  • للعلماء والدعاة: لا تكونوا كبلعم، استخدموا العلم للرفعة لا للدنيا، فالعالم الذي يتبع هواه أشد ضرراً.
  • التحذير من التكبر: بلعم كان عالماً، لكنه أخلد إلى الجاه، فصار مثلاً في الخسران.
  • تطبيق معاصر: من يسمع القرآن يومياً لكنه لا يطبقه، أو يعرف السنة ويتركها للشهوات، كالكلب في لهثه.

أمثلة مشابهة في القرآن:

  • مثل الكلب أيضاً في سورة الأعراف (الآية 179): {لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا… أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}.
  • مثل الحمار يحمل أسفاراً (سورة الجمعة: 5) لليهود الذين لا يعملون بالتوراة.

قصة بلعم بن باعوراء بالتفصيل:

  • كان في زمن موسى، يعبد الله ويدعو بالاسم الأعظم. أرسل إليه بلعام (ملك) يطلب لعن موسى، فرفض، ثم أغراه بالهدايا، فركب أتاناً ليذهب، فكلمت الأتان وقالت: “ويلك، أتذهب لتلعن نبياً؟”، فضربها، فانقلبت الدعوة، ولهث كالكلب، ومات كافراً. رواها ابن جرير الطبري.

في الختام، مثل الذي لا ينتفع بالهداية كمثل الكلب في لهثه الدائم، تحذير إلهي لنا أن نعمل بما نعلم، ونغتنم نعمة الهدى قبل فوات الأوان، فالهداية نور من الله، والإعراض عنها ظلمة تؤدي إلى الغواية والخسران في الدنيا والآخرة.

إقرأ أيضا:مثل المؤمن والكافر
السابق
فيه شركاء متشاكسون
التالي
التسامح النبوي