أمثال قرآنية

مثل من يرد الله أن يهديه

مثل من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام كمثل المطر في القرآن الكريم مع تفسير الآية الكامل وأسباب النزول والدروس العظيمة في قبول الهداية والإخلاص في طلب الحق

يُضرب الله تعالى في كتابه العزيز مثلين بليغين يُبين فيهما حال من يشاء الله هدايته فيقبل الإسلام بصدر واسع، مقابل حال من يشاء الله خذلانه فيضيق صدره ويكره الحق، كما في قوله تعالى في سورة الأنعام (الآية 125): {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}. هذا المثل يوضح أن الهداية مشيئة إلهية مرتبطة باستعداد القلب، فيُيسر الله للمخلص طريق الحق، ويُعسر على المعرض.

السياق التاريخي وسبب النزول:

  • روى الإمام الطبري وابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الآية نزلت في شأن بعض كفار قريش مثل أبي جهل والوليد بن المغيرة، الذين ضاقت صدورهم عن الإسلام رغم وضوح الآيات، مقابل من هداهم الله مثل حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، الذين شرح الله صدورهم فأسلموا بسرعة.
  • في رواية أخرى عند مسلم: نزلت تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن عدم إيمان بعض الناس، مؤكدة أن الهداية بيد الله، لا بالجهد البشري وحده.
  • الآية جاءت بعد ذكر الآيات الكونية في السموات والأرض، لتبين أن من يتأمل يُهدى، ومن يُعرض يُضل.

التفسير المفصل للآية:

  1. فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ:
    • “يشاء الله أن يهديه”: الهداية توفيق إلهي، يمنحه الله لمن في قلبه خير وقابلية للحق، كالأرض الطيبة تستقبل المطر.
    • “يشرح صدره”: يوسع قلبه بالنور والاطمئنان، فيقبل الإسلام بسهولة وسرور، كمن يتنفس هواءً نقياً.
  2. وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا:
    • “يرد أن يضله”: ليس ظلماً من الله، بل عدلاً بسبب إصرار الإنسان على الكفر والعناد.
    • “ضيقاً حرجاً”: ضيق شديد وكرب، كالصدر المغلق لا يدخله نور الهداية.
  3. كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ:
    • مثل بليغ: الصعود إلى السماء صعب جداً بسبب نقص الهواء والضغط، يسبب اختناقاً. كذلك الكافر يجد الإسلام ثقيلاً عليه، كأنه يصعد في السماء، فيكرهه ويرفضه رغم وضوحه.
  4. كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ:
    • “الرجس”: العذاب والخبث والضلال.
    • يجعله الله عليهم بسبب عدم إيمانهم، فيزدادون بعداً عن الحق.

الدروس والعبر المستفادة من الآية:

  • الهداية نعمة إلهية: ليست بجهد الإنسان وحده، بل توفيق من الله لمن يبحث عن الحق بصدق، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (سورة العنكبوت: 69).
  • دور الإنسان: يجب طلب الهداية بالدعاء والتأمل، كدعاء: “اللهم اهدنا الصراط المستقيم”.
  • علامات شرح الصدر: الراحة عند سماع القرآن، حب الطاعة، كراهية المعصية.
  • تحذير من الضيق: العناد والكبر يضيق الصدر، فيرفض الإنسان الحق كأبي لهب.
  • للدعاة: ابذلوا الجهد، ثم توكلوا على الله، فالهداية بيده.
  • تطبيق معاصر: من يقرأ عن الإسلام بقلب مفتوح يُهدى، ومن يقرأ بعناد يزداد ضلالاً.

أمثلة مشابهة في القرآن والسنة:

  • مثل الأرض الطيبة والخبيثة (سورة الأعراف: 58) للقلوب المستقبلة للهداية.
  • حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين” (رواه البخاري).
  • قصة إسلام عمر: كان يريد قتل النبي، فسمع القرآن فشرح الله صدره، فأسلم.

قصص تطبيقية من السيرة:

  • حمزة بن عبد المطلب: سمع آيات فشرح صدره، فأسلم وصار أسد الله.
  • عمر بن الخطاب: غضب لشقيقته المسلمة، فسمع “طه” فانشرح صدره، وقال: “ما أحسن هذا الكلام”.
  • أبو جهل: رغم علمه بالقرآن، ضاق صدره، فقال: “لا أؤمن بهذا أبداً”، فمات كافراً.

في الختام، مثل من يرد الله أن يهديه كمن شرح الله صدره للإسلام باليسر والاطمئنان، مقابل الضيق كالصعود في السماء، دعوة لنا أن نطلب الهداية بإخلاص، ونتأمل في الآيات، فالله يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يصر على الضلال بعدله، نسأل الله أن يشرح صدورنا للإسلام ويثبتنا عليه.

إقرأ أيضا:مثل الذين لا يجيبون داعي الله
السابق
وجعلنا له نورا يمشي به
التالي
مثل الإنفاق في غير طاعة الله