أمثال قرآنية

مثل نقض العهود

 

نقض العهود والمواثيق في الإسلام: خطيئة كبرى ومُهلِكة اجتماعية

 

يُعدّ الوفاء بالعهود والمواثيق من أسمى الأخلاق وأوجب الفضائل التي دعا إليها الإسلام، وجعلها أساساً متيناً لبناء العلاقات الإنسانية والاجتماعية والدولية. وفي المقابل، حذّر الشرع تحذيراً شديداً من نقض العهود، جاعلاً إياه صفة من صفات النفاق وعلامة على الخيانة، ومصدراً للفساد والفوضى في الأرض.


 

أولاً: المنزلة الشرعية للعهد والوفاء به

 

أولى الإسلام العهود والمواثيق منزلة عظيمة، إذ ربط الوفاء بها بالإيمان والتقوى:

  1. فريضة إلهية: جعل الله الوفاء بالعهد أمراً إلهياً وواجباً مفروضاً:

    {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} (الإسراء: 34).

  2. صفة للمؤمنين: عدّ القرآن الكريم الوفاء بالعهود من صفات المؤمنين الأبرار الذين يستحقون الفردوس:

    {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (المؤمنون: 8).

  3. العهد مع الله أولاً: يشمل العهد، الوفاء بعهد الله (الإيمان به وحده)، وعهد الأمانة بين الناس، وعهد الذمة والمواثيق الدولية.

 

ثانياً: حكم نقض العهود والوعيد المترتب عليه

 

إقرأ أيضا:مثل غيبة المسلم

نقض العهد هو محرم تحريماً قطعياً، ويُصنّف من كبائر الذنوب في الإسلام. والوعيد على هذا الفعل شديد في الدنيا والآخرة:

 

1. نقض العهد صفة من صفات النفاق

 

من أبرز العلامات التي تدل على نفاق الشخص هو نقضه للعهد. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

“آيةُ المُنافقِ ثلاثٌ: إذا حدَّث كذَبَ، وإذا وعَدَ أخلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ” (متفق عليه).

فإخلاف الوعد ونقض العهد هما خيانة للإيمان القلبي.

 

2. الجزاء الأخروي (الخزي يوم القيامة)

 

يُخزَى ناقض العهد يوم القيامة ويُعرّف بفعله أمام الخلائق، زيادة في فضيحته:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا جَمَعَ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ يومَ القِيامَةِ، يُرْفَعُ لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ، فقِيلَ: هذِه غَدْرَةُ فُلانِ بنِ فُلانٍ” (متفق عليه).

 

3. اللعن والطرد من الرحمة

 

جعل الله ناقضي العهود من الخاسرين والملعونين؛ لأنهم أفسدوا ما أمر الله به أن يوصل:

{الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (البقرة: 27).

إقرأ أيضا:مثل الذين لا يجيبون داعي الله

 

ثالثاً: مجالات تطبيق الوفاء بالعهد

 

العهد في الإسلام ليس مقتصراً على المعاهدات الرسمية، بل يشمل كل أشكال التعاقد والالتزام:

  1. العهود الشخصية والاجتماعية: مثل الوعود بين الأفراد، والعقود الزوجية، وعقود البيع والشراء والإيجار. هذه كلها يجب الوفاء بها بصدق.
  2. العهود الدولية (الأمان والمواثيق): يجب الالتزام بالمعاهدات والمواثيق التي تعقدها الدولة الإسلامية مع الدول الأخرى، وعدم نقضها إلا بعد إعلام الطرف الآخر بإنهاء العهد إذا ظهرت خيانة أو نقض منه.
  3. عهود الموظفين: الالتزام بمواعيد العمل، والجودة في الأداء، وحفظ أسرار العمل، كلها تدخل في باب الوفاء بالعهد والأمانة.

 

رابعاً: الاستثناء الوحيد لنقض العهد

 

لا يجوز للمسلم أن ينقض العهد أو العقد متى شاء. الاستثناء الوحيد هو:

  • الخوف من الغدر: إذا ظهرت من الطرف الآخر أمارات الخيانة والنقض (الغدر)، جاز للمسلمين إنهاء العهد معه، لكن يجب إعلامه أولاً بإنهاء العقد حتى تكون المعاملة على بيّنة ووضوح، وعدم مفاجأته بالغدر.

    {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} (الأنفال: 58).

    إقرأ أيضا:مثل القرية الآمنة المطمئنة

الخلاصة: نقض العهود هو دليل على فساد القلب وضعف الإيمان، وينتج عنه تدمير للثقة والأمان في المجتمع. لذا، فإن الإخلاص في الوفاء بالعهد هو الأساس الذي يبني عليه المسلم علاقته بربه وبالمخلوقين.

السابق
مثل القرية الآمنة المطمئنة
التالي
مثل المؤمن والكافر