بالتأكيد. هذا العنوان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعنوان السابق (“وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت”) ولكنه يتطلب مقالة مستقلة تركز على الدلالات الشاملة لهوان المعبودات الباطلة. سأقوم بإعداد المقالة المطلوبة.
مَثَلُ هَوَانِ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ: تصوير قرآني للعجز المطلق في مواجهة الذباب والوجود
إن الفكرة المحورية في رسالة التوحيد هي إثبات الألوهية المطلقة لله سبحانه وتعالى وحده، ونفيها عن كل ما سواه من مخلوقات. وقد استخدم القرآن الكريم أسلوب ضرب الأمثال لتصوير عجز وهوان المعبودات الباطلة، وذلك بوضعها في مواجهة تحديات دقيقة وبسيطة، تظهر عجزها المطلق عن أبسط الأفعال، لتقطع بذلك حجة المشركين وتنير بصيرة المؤمنين.
1. الوهن في مواجهة الذباب: قمة الاستخفاف الإلهي
إن أبلغ وأقوى تصوير لهوان وضعف الآلهة المزعومة من دون الله ورد في قوله تعالى في سورة الحج:
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّال1ِبُ وَالْمَطْلُوبُ” (2الحج: 73).
هذا المَثَل يشتمل على مستويين من التحدي يثبتان الوهن المطلق:
إقرأ أيضا:وجعلنا له نورا يمشي به-
العجز عن الخلق (المنشأ): التحدي الأول هو عجز جميع الآلهة المزعومة مجتمعة عن خلق أصغر وأضعف مخلوق، وهو الذباب. فإذا كانت هذه المعبودات لا تستطيع أن تخلق ذبابة واحدة، وهي لا تُذكر في ميزان المخلوقات الضخمة، فكيف يُعقل أن تُعبد أو تُعتمد؟ هذا دليل قاطع على عدم استحقاقها للألوهية التي هي حق خالص للخالق البارئ المصور.
-
العجز عن الدفاع (الحماية): التحدي الثاني يتعلق بالعجز عن الدفاع عن الذات أو عن حقوق العابدين. فلو جاءت ذبابة وسلبت شيئاً من تلك الآلهة أو من القرابين المقدمة لها (كجزء من الطعام أو الرائحة)، فإن هذه الآلهة لا تستطيع أن تسترد المسلوب من الذبابة الضعيفة.
2. الضعف المزدوج: “ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ”
جاء الختام ببيان حقيقة الضعف الشامل في المعادلة:
-
الطالب (الآلهة المعبودة): هو الذي يطلب استنقاذ ما سُلب منه، وهو ضعيف عاجز لا يستطيع استرداد حق نفسه من ذبابة.
-
المطلوب (الذباب): وهو رغم صغره وضعفه وقدرته على السلب، إلا أنه يُعد مطلوباً في التحدي، وضعيف في الميزان الكلي.
لكن المعنى الأعمق هو أن الآلهة المعبودة هي الطالبة للعبادة والتعظيم من أتباعها، ولكنها ضعيفة لا تستحق ذلك. والعباد هم المطلوبون لتلك الآلهة، وهم أيضاً ضعفاء ومضللون باتباعهم ما لا ينفع ولا يضر.
إقرأ أيضا:مثل تفكير المؤمن وتفكير الكافرهذا التصوير يقلب موازين المشرك ويجعله يدرك أن ما يعظمه هو أحقر من أن يُقدَّر بثمن، فكيف يكون له سلطان أو قدرة على النفع والضر في قضايا الحياة والموت؟
3. دلالات الهوان في عجز المعبودات عن النفع والضر
بعيداً عن مَثَل الذباب، فإن هوان ما عُبد من دون الله يتجلى في كل موضع يثبت فيه القرآن عجزها عن تلبية أبسط احتياجات العابدين:
-
العجز عن الإجابة: “وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ” (الأحقاف: 5). فالمعبودات لا تسمع، ولا تجيب، ولا تعلم بدعاء من يتوسل بها.
-
العجز عن الخلاص: يوم القيامة يتخلى المعبودون عن عابديهم ويتبرؤون منهم، إعلاناً لهوانهم وعدم قدرتهم على إنجاء أي أحد.
إن إثبات هوان هذه المعبودات يرفع مكانة الله سبحانه وتعالى، ويبرز كمال قدرته وعلمه وقوته، فهو الخالق المدبر الذي بيده الأمر كله، لا يعجزه شيء، ولا يشاركه في ملكه أحد.
إقرأ أيضا:كأنهم أعجاز نخل منقعر4. الهوان كقاعدة للتوحيد
في نهاية المطاف، هذا المَثَل يضع معياراً واضحاً للتوحيد: إن القوة والاستحقاق للعبادة لا تكون إلا لمن كان قادراً على الخلق والرزق والنفع والضر، وهو الله رب العالمين. إن كل ما هو غير الله ضعيف وواهٍ ومحكوم عليه بالزوال والهوان، وبالتالي فإن أي تعلق به هو ضرب من الجنون والضلال، وعبث لا طائل من ورائه. فالمؤمن الحقيقي هو الذي يدرك الهوان المطلق للمخلوقين، فيتوجه بكليته إلى قوة الخالق المطلقة.
هل ترغب في تزويدي بالعنوان الأخير للمقالة القادمة؟
