محاولات فتح روما: بين الطموح الإسلامي والبشارة النبوية
روما، عاصمة الإمبراطورية الرومانية القديمة ومركز الكنيسة الكاثوليكية (الفاتيكان)، كانت وما زالت رمزاً للمقاومة والقوة في الغرب. وقد ظلت هذه المدينة حلماً يراود القادة المسلمين، لا سيما بعد أن ورد ذكر فتحها في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم مقروناً بفتح القسطنطينية.
تاريخ “محاولات فتح روما” لا يتضمن معارك حصار مباشرة وطويلة كما حدث مع القسطنطينية، بل يشمل غارات وغزوات بحرية قوية وصلت إلى ضواحي المدينة، بالإضافة إلى طموحات قادة عظماء، وصولاً إلى البشارة المنتظرة في آخر الزمان.
أولاً: الغارات الإسلامية في العصور الوسطى (القرن التاسع الميلادي)
في الفترة التي سبقت السيطرة الكاملة على صقلية وجنوب إيطاليا، قام المسلمون، خاصة من ولاة الأغالبة في تونس، بسلسلة من الغارات الجريئة على السواحل الإيطالية التي شكلت تهديداً مباشراً لروما.
1. غزوة الأغالبة الكبرى (846 م / 232 هـ)
تُعد هذه الغزوة أخطر تهديد فعلي لروما في العصور الوسطى:
- القائد والأطراف: انطلقت حملة بحرية قوية من صقلية بقيادة القائد محمد بن أبي عقال الأغلب السعدي.
- الأحداث: نجح الأسطول الإسلامي في اختراق نهر التيبر (Tiber) الذي يمر بروما. وبما أن الأسوار القديمة للمدينة لم تكن تشمل منطقة التلال الفاتيكانية، فقد تمكن المسلمون من اقتحام ضواحي روما والوصول إلى منطقة الفاتيكان.
- النتيجة: قام المسلمون بنهب كنيستي القديس بطرس والقديس بولس (اللتين كانتا خارج السور)، مما أثار ذعراً هائلاً في أوروبا المسيحية. دفعت هذه الغزوة البابا لاحقاً إلى بناء أسوار جديدة لتحصين منطقة الفاتيكان، سُميت الأسوار الليونية.
إقرأ أيضا:المسلمون في أوروبا الشرقية
2. السيطرة على الثغور الإيطالية
استمرت الغارات وحالات الحصار المتكرر للموانئ القريبة من روما طوال القرن التاسع الميلادي. وفي فترات متقطعة، تمكن المسلمون من:
- إنشاء قواعد بحرية على السواحل الإيطالية الجنوبية (مثل باري) التي شكلت نقاط انطلاق لتهديد روما والممالك الإيطالية.
- فرض الجزية على بعض الدوقيات والمقاطعات البابوية الواقعة قرب العاصمة الرومانية.
ثانياً: طموح محمد الفاتح العثماني (القرن الخامس عشر)
بعد مرور قرون، عاد التهديد الإسلامي القوي على روما، ولكن هذه المرة من الشرق، على يد السلطان العثماني محمد الفاتح.
- تحقيق النبوءة الأولى: بعد أن حقق محمد الفاتح البشارة النبوية بفتح القسطنطينية (عام 1453م)، تحول طموحه إلى تحقيق البشارة الثانية، وهي فتح روما.
- حملة أُوترانتو (1480 م): أرسل الفاتح جيشاً بحرياً ضخماً بقيادة القائد أحمد باشا الجدك، الذي نجح في فتح مدينة أُوترانتو الاستراتيجية في جنوب إيطاليا. كان هذا الفتح بمثابة رأس جسر عثماني في شبه الجزيرة الإيطالية وتهديد مباشر على روما التي تقع شمالاً.
- التوقف المفاجئ: كان العالم المسيحي في حالة رعب قصوى، حيث كانت روما على وشك السقوط. لكن هذه الحملة التاريخية توقفت فجأة بوفاة السلطان محمد الفاتح في العام التالي (1481م)، وعادت القوات العثمانية أدراجها بعد أن ساد الصراع على العرش.
إقرأ أيضا:فتح أرمينيا: محطة تاريخية في مسيرة الخلافة الإسلامية
ثالثاً: البشارة النبوية (الفتح المنتظر)
الفتح الحقيقي لروما، الذي ينتظره المسلمون، هو المذكور في السنة النبوية الشريفة:
- ترتيب الفتوحات: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: “بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب، إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولاً: أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل تفتح أولاً، يعني القسطنطينية” (رواه أحمد والدارمي وصححه الألباني).
- الدلالة: تحقق الشق الأول من البشارة بفتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح. وظلت البشارة بفتح “رومية” (روما) أمراً ينتظر تحقيقه في آخر الزمان.
- الفتح بالتكبير: تذكر بعض الأحاديث أن هذا الفتح سيكون مختلفاً عن الفتوحات التقليدية، حيث سيكون بعد الملاحم الكبرى، وبدون قتال فعلي، بل بالتهليل والتكبير، في عهد الإمام المهدي ونزول المسيح عليه السلام.
خاتمة:
إقرأ أيضا:المسلمون في أوروبا الشرقيةتاريخ محاولات فتح روما يكشف عن سعي مستمر وطموح كبير للمسلمين. وعلى الرغم من أن الغارات والغزوات البحرية لم تحقق الفتح الكامل للمدينة، إلا أنها أثبتت وصول النفوذ الإسلامي إلى قلب أوروبا. يظل الفتح الأعظم والموعود لـ “رومية” أمراً غيبياً ينتظره المسلمون، ليتحقق بذلك وعد النبوة، ويكتمل نصر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.
هل تود مقالاً عن المقارنة بين فتح القسطنطينية وفتح روما الموعود؟
