تصورات الأمم لله

مفهوم الإله عند اليهود: دراسة في العقيدة اليهودية

مفهوم الإله عند اليهود

مقدمة

تُعد اليهودية من أقدم الديانات السماوية، ويحتل مفهوم الإله فيها مكانة مركزية. الإله في اليهودية هو الخالق الواحد، الذي يدير الكون بحكمة وقدرة مطلقة. يُعرف باسم “يهوه”، ويُعتبر إلهًا متعاليًا وقريبًا من شعبه في آن واحد. في هذا المقال، نستعرض مفهوم الإله في اليهودية، صفاته، وعلاقته بالبشر، مع التركيز على النصوص الدينية والتقاليد اليهودية.

التوحيد في اليهودية

اليهودية تؤكد على التوحيد المطلق، وهو أساس العقيدة. يُعبر عن هذا المبدأ بوضوح في “الشماع”، وهي صلاة يومية يتلوها اليهود وردت في سفر التثنية (6:4): “اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد”. هذا النص يشدد على أن الإله واحد لا شريك له، ويرفض أي شكل من أشكال الشرك أو تعدد الآلهة. التوحيد في اليهودية ليس مجرد إيمان نظري، بل هو أسلوب حياة يتجلى في العبادة والأخلاق.

اسم الإله: يهوه

في النصوص اليهودية، يُشار إلى الإله باسم “يهوه” (YHWH)، وهو الاسم الأقدس الذي يُكتب في التوراة. يُعتبر هذا الاسم تعبيرًا عن الوجود الأزلي للإله، ويُترجم أحيانًا بـ”أنا هو الذي أكون” (خروج 3:14). بسبب قدسية الاسم، يتجنب اليهود النطق به، ويستبدلونه بألقاب مثل “أدوناي” (السيد) أو “هاشيم” (الاسم). هذا الاحترام يعكس مكانة الإله العظيمة في الثقافة اليهودية.

صفات الإله في اليهودية

الإله في اليهودية يتميز بصفات تجمع بين التعالي والقرب. من أبرز هذه الصفات:

إقرأ أيضا:الشعائر عند النصارى _ الاعتراف للقس وصكوك الغفران
  • الخالق: الإله هو خالق الكون وكل ما فيه، كما ورد في سفر التكوين: “في البدء خلق الله السماوات والأرض”.

  • القدوس: الإله متعالٍ عن الخلق، وله قداسة مطلقة، كما في إشعياء (6:3): “قدوس قدوس قدوس رب الجنود”.

  • الرحيم والعادل: يجمع الإله بين الرحمة والعدل. يُظهر رحمته في عهده مع شعب إسرائيل، وعدله في محاسبة الأشرار.

  • الأزلي: الإله موجود منذ الأزل وإلى الأبد، ولا يتغير، كما في المزمور (90:2): “من الأزل إلى الأبد أنت الله”.

علاقة الإله بشعب إسرائيل

في اليهودية، يُعتبر الإله في علاقة خاصة مع شعب إسرائيل، يُطلق عليها “العهد”. هذا العهد بدأ مع إبراهيم، وتجدد مع موسى عندما أعطى الله التوراة على جبل سيناء. التوراة، التي تحتوي على الوصايا العشر وغيرها من الشرائع، تُعد دليلًا لليهود ليعيشوا وفق إرادة الله. في المقابل، يتعهد الإله بحماية شعبه وبركته، كما في سفر اللاويين (26:12): “وأكون لكم إلهًا وأنتم تكونون لي شعبًا”.

العبادة والطقوس

عبادة الإله في اليهودية تتضمن الصلاة، الطقوس، والالتزام بالشريعة. الصلاة تُؤدى ثلاث مرات يوميًا، وتُركز على تسبيح الله وطلب رحمته. الطقوس تشمل الاحتفال بالأعياد مثل الفصح ويوم الكفارة، التي تُعيد تأكيد العهد مع الله. الشريعة، أو “الهالاخاه”، تُنظم الحياة اليومية، من الأكل إلى الأخلاق، لتكون كل فعل تعبيرًا عن الخضوع لإرادة الله.

إقرأ أيضا:تاريخ الاناجيل الاربعة تفصيلا _ ثالثا انجيل لوقا

الإله في الفلسفة والتصوف اليهودي

في الفلسفة اليهودية، حاول مفكرون مثل موسى بن ميمون (الرامبام) تفسير طبيعة الإله بعقلانية. وصف بن ميمون الله بأنه لا مادي، لا يُشبه الخلق، ولا يُدرك إلا من خلال صفاته السلبية (مثل: ليس محدودًا). أما في التصوف اليهودي (الكابالا)، فيُنظر إلى الإله على أنه يتجلى في العالم من خلال “السفيروت”، وهي عشرة تجليات إلهية تربط بين الخالق والخلق.

الإله في الحياة اليومية لليهود

الإيمان بالإله يشكل جوهر الحياة اليهودية. من خلال الالتزام بالوصايا، يسعى اليهود إلى تحقيق “تيكون عولام” (إصلاح العالم) بما يتماشى مع إرادة الله. الإله حاضر في الأفراح والأتراح، حيث يُدعى في البركات والصلوات. هذا الإيمان يمنح اليهود القوة لمواجهة التحديات، مع الثقة بأن الله يرعاهم.

إقرأ أيضا:بشارات الانبياء _ نبوءة موسى عن البركة الموعودة في أرض فاران

خاتمة

الإله في اليهودية هو الخالق الواحد، القدوس، الرحيم، والعادل، الذي يرتبط بشعبه بعلاقة عهد متينة. من خلال التوراة، الصلاة، والطقوس، يسعى اليهود إلى فهم إرادته والعيش وفقها. مفهوم الإله في اليهودية ليس مجرد فكرة مجردة، بل هو قوة حية تُشكل هوية الشعب اليهودي وتوجه حياته. التأمل في هذا المفهوم يكشف عن عمق الإيمان اليهودي وتأثيره الروحي والثقافي عبر التاريخ.

السابق
انحراف العرب عن التوحيد: دراسة في الأسباب والتاريخ
التالي
الله عز وجل: الخالق العظيم وصفاته السامية