✍️ من أول من دوّن الحديث: الانطلاقة الرسمية لتدوين السنة
يمر تدوين الحديث النبوي الشريف بثلاث مراحل رئيسية: الكتابة الفردية في عهد الصحابة، والامتناع النسبي عن التدوين العام خشية اختلاطه بالقرآن، وأخيراً، مرحلة التدوين الرسمي الشامل الذي حفظ السنة النبوية من الضياع والاندثار.
السؤال عن أول من دوّن الحديث يحمل في طياته شقين: أول من كتبه بشكل فردي، وأول من أمر بجمعه وتدوينه بشكل رسمي وعام.
أولاً: 📜 التدوين الفردي (في عهد النبوة والصحابة)
لم يبق الحديث النبوي شفوياً بشكل مطلق. فقد كانت هناك كتابات فردية “صحف” لبعض الصحابة بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم:
- عبد الله بن عمرو بن العاص: كان يكتب الحديث في صحيفة سماها “الصحيفة الصادقة” بإذن مباشر من النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال له: “اكتبْ؛ فوالذي نفسي بيدِهِ، ما يَخْرُجُ منه إلَّا حقٌّ”.
- أبو هريرة وجابر بن عبد الله وغيرهما من الصحابة كانت لهم صحف فردية كتبوا فيها بعض الأحاديث النبوية.
لكن هذه الكتابات كانت فردية ولم تكن تدوينًا شاملاً ومنظماً للسنة كلها. وظل الاعتماد الأساسي في نقل الحديث في هذا العصر هو الحفظ في الصدور والمشافهة بالرواية.
إقرأ أيضا:حديث إن الدنيا حلوة خضرة
ثانياً: 👑 الانطلاقة الرسمية (الجامع الأول)
التدوين الرسمي للحديث، أي جمع الأحاديث من مصادرها المتفرقة وترتيبها في كُتب عامة، بدأ بشكل مُنظَّم في مطلع القرن الثاني الهجري بأمر من خليفة راشد:
1. المُحَرِّك: عمر بن عبد العزيز
- في نهاية القرن الأول الهجري (على رأس المائة الهجرية تقريباً)، خشي الخليفة عمر بن عبد العزيز (رحمه الله) من ضياع السنة النبوية بموت كبار الصحابة والتابعين الذين كانوا يحفظونها في صدورهم، وتوسع رقعة الدولة الإسلامية وظهور بدع وأحاديث مكذوبة.
- أرسل عمر بن عبد العزيز إلى عماله في الأمصار، خاصة في المدينة المنورة، يأمرهم بجمع وتدوين الحديث النبوي.
2. أول مُدوِّن (بأمر رسمي): محمد بن شهاب الزهري
أجمعت الروايات التاريخية وعلماء الحديث على أن أول من قام بجمع الحديث وتدوينه رسمياً بناءً على أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز هو الإمام التابعي الجليل:
الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت 124 هـ)
- مهمته: أمر عمر بن عبد العزيز الإمام الزهري بجمع الحديث النبوي خوفاً من ذهابه.
- مكانته: كان الزهري من كبار التابعين وفُقهاء المدينة، وتميز بقوة ذاكرته وحفظه الغزير.
- ماذا دوّن؟ جمع الإمام الزهري الحديث في صُحف، وكانت هذه هي أول محاولة رسمية وشاملة لجمع الحديث.
ملاحظة: أمر عمر بن عبد العزيز أيضاً أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قاضي المدينة وعاملها، بجمع الحديث، إلا أن كتب الإمام الزهري اشتهرت أكثر وهي التي يعتبرها العلماء نقطة البداية للتدوين الرسمي.
إقرأ أيضا:حديث اتقوا النار ولو بشق تمرة
ثالثاً: 📚 التطور اللاحق (مرحلة التصنيف والتبويب)
بعد مرحلة الإمام الزهري، انتقل التدوين إلى مرحلة التصنيف والتبويب في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، حيث ظهر علماء بدأوا بجمع الحديث على شكل مصنّفات وموطآت ومسانيد، وضمّنوا فيها بعض أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ومنهم:
- الإمام مالك بن أنس (صاحب الموطأ).
- الإمام سعيد بن أبي عروبة.
- الإمام عبد الملك بن جريح.
واكتملت عملية التنقيح والتصفية والتبويب في القرن الثالث الهجري بظهور كُتب الصحاح الستة (صحيح البخاري، صحيح مسلم، إلخ).
إقرأ أيضا:أجمل أحاديث الرسول
✍️ خاتمة المقال:
إن الإمام محمد بن شهاب الزهري يُعد أول من دوّن الحديث بصورة شاملة ومنظّمة بتكليف من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، مُنهياً بذلك مرحلة الاكتفاء بالحفظ الفردي. كانت هذه الخطوة نقطة تحول تاريخية ضمنت حفظ السنة النبوية، المصدر الثاني للتشريع، وحمايتها من الضياع، وأرست الأساس لظهور علوم الحديث العظيمة ومصنفاته الكبرى التي بين أيدينا اليوم.
هل تود مقالاً عن أهمية هذا التدوين الرسمي للسنة النبوية؟
