🌌 من أين جاء الله؟ المفهوم العقلي والشرعي لأزلية الخالق (مقال شامل)
هذا السؤال، “من أين جاء الله؟”، هو سؤال فلسفي عظيم يتردد في أذهان الكثيرين عند التفكير في الكون والوجود. والإجابة عليه لا تكمن في تحديد مكان أو زمان، بل في فهم الطبيعة الأزلية والجوهرية للخالق، التي تختلف كلياً عن طبيعة المخلوقات.
إن السؤال عن أصل الله أو مصدره هو سؤال منطقي غير صحيح من أساسه، لأنه يفترض على الخالق صفات المخلوقين.
أولاً: الإجابة المنطقية والعقلية (دليل الأزلية)
العقل البشري يقرر مبدأ السببية: لكل نتيجة سبب، ولكل حادث مُحدِث. وعندما نطبق هذا المبدأ على وجود الله، نصل إلى مفهوم الأزلية:
1. ضرورة وجود الخالق الأزلي (نهاية سلسلة الأسباب)
- السؤال المنطقي: إذا قلنا إن الله “جاء” من شيء قبله، فسنطرح نفس السؤال على ذلك الشيء: ومن أين جاء هو؟ وهكذا تستمر سلسلة الأسئلة إلى ما لا نهاية. وهذا ما يُعرف بـ “التسلسل”، وهو محال عقلاً.
- الاستنتاج العقلي: لكي يبدأ الوجود، يجب أن يكون هناك مُحدِث أول، غير مسبوق بالعدم، وغير محتاج إلى سبب يوجده. هذا المحدث الأول هو الله. فلو كان الله يحتاج إلى خالق قبله، لما كان إلهاً، ولأصبح مجرد مخلوق آخر.
- الخلاصة: الله هو الواجب الوجود الذي لا بداية له ولا نهاية، وجوده ذاتي وليس مستمداً من غيره.
إقرأ أيضا:القابض الباسط.. من تكامل المتناقضات في كتاب الله! ج 1
2. الفرق بين المخلوق والخالق
- المخلوق: هو ما كان معدوماً ثم وُجد، وهو محكوم بالزمن والمكان، ويحتاج إلى سبب وجود (أي: من أين جاء؟).
- الخالق (الله): هو الذي أوجد الزمان والمكان، وهو خارج عن حدود الزمان والمكان، وهو الأول بلا بداية. بالتالي، السؤال “من أين جاء؟” لا ينطبق عليه، لأنه يعني أنه “حادث” و”مسبوق بالعدم”، وهذا يناقض جوهر الألوهية.
ثانياً: الإجابة الشرعية والدينية (التوحيد والعقيدة)
تؤكد النصوص الدينية على صفة الأزلية (القدم) المطلقة لله تعالى:
1. صفة “الأول” و”الآخر”
- الدليل القرآني: قال تعالى: (
$$\text{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}$$
) [الحديد: 3].
- المعنى: “الأول” تعني الذي ليس قبله شيء. هو موجود قبل كل شيء، وجوده لا بداية له. و”الآخر” تعني الذي ليس بعده شيء. هذه الصفات تلغي أي احتمال لوجود خالق قبله أو مصدر له.
2. سورة الإخلاص (الرد القاطع)
إقرأ أيضا:ظاهرة الحياة: تأملات إسلامية وعقلية
تُعدّ سورة الإخلاص هي الإجابة النهائية عن التساؤلات المتعلقة بوجود الله ونسبه وكينونته:
- (
$$\text{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}$$
)
- التفسير:
- “لَمْ يُولَدْ”: هذا هو الرد المباشر على السؤال. فهو لم يخرج من شيء قبله، ولم يتكون من شيء آخر، وجوده لا يعتمد على وجود غيره.
- “الصَّمَدُ”: أي السيد الذي يُقصد في الحاجات، والذي هو كامل الأوصاف لا يحتاج إلى أحد، والكل يحتاج إليه.
3. الرد على وساوس الشيطان
هذا السؤال هو من وساوس الشيطان التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم.
إقرأ أيضا:بين العلم والدين.. و ما وراء الطبيعة! (2/2)- الحديث النبوي: “يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينتهِ.” (الانتهاء هنا هو التسليم العقلي بأن الله هو الأول بلا ابتداء).
خلاصة شاملة
السؤال “من أين جاء الله؟” هو السؤال الذي يثبت عجز المخلوق عن إدراك الخالق بحدود حواسه ومقاييسه المادية. إن إجابة هذا السؤال تكمن في إلغاء السؤال نفسه؛ لأن الله هو الأزل المطلق، وهو الخالق غير المخلوق. وبدونه، لا يمكن تفسير وجود الكون.
هل ترغب في مقال مفصل عن صفات الله التي تثبت أزليته وكمال وجوده، مثل صفة “القيوم”؟ 🌟
