مَثَلُ قدرة الله على البعث: استدلالات قرآنية ومشاهد كونية في إحياء الموتى
إن قضية البعث بعد الموت هي الركن الأساسي الذي قامت عليه دعوات الأنبياء والمرسلين، وهي الحقيقة الكبرى التي يرتكز عليها الإيمان باليوم الآخر. لقد تحدى الله عز وجل منكري البعث بالآيات البينات والمشاهد الملموسة في الكون والنفس، ليقيم عليهم الحجة بأن قدرته التي خلقت الكون من العدم قادرة على إعادته وإحياء من مات فيه. إن قدرة الله على البعياء ليست مجرد مسألة إيمانية غيبية فحسب، بل هي حقيقة مدعومة بأقوى الاستدلالات العقلية والكونية.
1. الاستدلال بالخلق الأول: المنشأ أيسر من الإعادة
يُعد الاستدلال بخلق الإنسان والكون للمرة الأولى هو الحجة الأقوى والأكثر بداهة على قدرة الله على البعث. يتساءل القرآن الكريم بلهجة التحدي والتقرير: “وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ” (يس: 78-79).
إن الذي أوجد الإنسان من نطفة، ثم من علقة ومضغة، ثم سواه وجعله كائناً حياً متكاملاً، هو أقدر بلا شك على جمع أجزائه المتفرقة وإعادة تكوينه. فلو تأمل العاقل في عظمة الخلق الأول، وكيف برزت الحياة من مادة جامدة، لأيقن أن الإعادة أهون وأيسر على القدرة الإلهية المطلقة. إن المقارنة بين الإيجاد من العدم وبين الإعادة بعد الفناء ما هي إلا تبسيط للقضية للعقول البشرية، لأن القدرة الإلهية لا تتأثر بالصعوبة أو السهولة.
إقرأ أيضا:فيه شركاء متشاكسون2. مَثَلُ إحياء الأرض الميتة: المشهد المتكرر
من أظهر الأدلة التي يقدمها القرآن على البعث، هو مشهد إحياء الأرض بعد موتها بالماء. هذا المشهد الكوني يتكرر أمام أعين البشر في كل عام، ليكون شاهداً حسياً على قدرة الخالق. يقول تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (فصلت: 39).
الأرض تكون قاحلة، جافة، هامدة لا نبض فيها، فإذا سُقيت بماء السماء، اهتزت وتحركت وخرجت منها صنوف النباتات والأزاهير والأشجار. إن إخراج الحياة من هذا التراب الميت ما هو إلا تمثيل مصغر ودليل يقيني على قدرة الله على إخراج الأموات من قبورهم. فالله الذي يملك مفاتيح الحياة والنماء للأرض، يملكها بالكامل لبني آدم.
3. القصص القرآني: شواهد المعجزات في الإحياء
لم يكتفِ الله عز وجل بالاستدلالات العقلية والكونية العامة، بل ضرب أمثلة وقصصاً حقيقية لإحياء الموتى في الدنيا، ليزداد المؤمنون إيماناً وتثبيتاً، وتقطع الحجة على المنكرين. من أبرز هذه الشواهد:
-
قصة الذي مر على قرية خاوية: يقول تعالى: “أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ” (البقرة: 259). هذه القصة تُظهر أن القدرة الإلهية تتجاوز حدود الزمن والفناء، وأن إحياء الروح والجسد بعد قرن كامل من الموت هو أمر يسير عليه سبحانه.
إقرأ أيضا:مثل هوان ما عُبد من دون الله -
إحياء قتيل بني إسرائيل: أمر الله بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة ويضربوا المقتول ببعضها ليعود حياً، ويكشف عن قاتله. “فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ” (البقرة: 73).
هذه القصص ليست مجرد حكايات، بل هي براهين عملية على أن البعث حقيقة واقعة وممكنة، وأنها جزء من نواميس القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء.
4. حكمة البعث: العدل والجزاء
إن الإيمان بقدرة الله على البعث ليس مجرد تصديق لخبر، بل هو إقرار بالحكمة الإلهية المطلقة، المتمثلة في إقامة العدل الكامل والجزاء الحق. فلو لم يكن هناك بعث، لكانت الحياة الدنيا فوضى لا معنى لها، ولساوى الله بين الظالم والمظلوم، وبين المطيع والعاصي.
إن قدرة الله على البعث هي الضمان الأكيد لتطبيق قوله تعالى: “لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَىٰ” (النجم: 31). إن البعث هو تتويج لحكم الله العادل، ونتيجة طبيعية لصفاته العليا، فكما أنه الخالق القادر، فهو أيضاً الحكيم العادل الذي لا يضيع عنده مثقال ذرة من عمل.
إقرأ أيضا:كأنهم أعجاز نخل منقعرالخلاصة: إن مَثَل قدرة الله على البعث يتجلى في كل آية كونية وفي كل تفصيل من تفاصيل الخلق الأول. إنها حقيقة لا يرتاب فيها إلا من غلبت عليه غشاوة الغفلة، فقدرة الإله المطلقة التي أوجدت المادة والروح من العدم، هي ذاتها التي تستطيع أن تعيدها وتبعثها للحساب والجزاء، ليكون البعث شاهداً على عظمة الخالق وعدله ورحمته.
