هذا السؤال يمسّ قضية جوهرية في العقيدة الإسلامية تتعلق بعصمة الأنبياء، تحديداً في مجال تبليغ الرسالة. والإجابة الحاسمة والمُجمَع عليها بين علماء الأمة هي لا، لا يمكن أن يُفتن النبي عن الوحي أو يُضل عنه في التبليغ.
سأقوم بتقديم مقال شامل يوضح الموقف الشرعي والدلائل القرآنية والرد على أي شبهات قد تنشأ حول هذا الموضوع.
عصمة النبوة: هل يمكن أن يُفتن النبي عن الوحي؟
تُعد عصمة الأنبياء من الكبائر ومن الخطأ في التبليغ ركيزة أساسية في الإيمان. فصلاحية الرسالة وكمالها مرتبطة بشكل مطلق بضمان وصولها إلى الناس نقية كما أنزلها الله، دون زيادة أو نقصان، أو فتنة أو ضلال.
لذلك، فإن الإجابة على سؤال “هل يمكن أن يُفتن النبي عن الوحي؟” هي النفي المطلق في مجال التبليغ والرسالة، بناءً على الأدلة القطعية من القرآن والسنة وإجماع الأمة.
أولاً: الأساس الشرعي للعصمة في التبليغ
يُجمع أهل العلم على أن الأنبياء، وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، معصومون من الوقوع في الخطأ أو الضلال فيما يتعلق بتبليغ رسالة الله تعالى.
إقرأ أيضا:إشكال في فهم الغاية من الخلق
1. الضمان الإلهي لحفظ الوحي
إن الله تعالى تكفل بحفظ الوحي ورسوله من أن يُفتن أو يُضل أو ينسى ما أُنزل عليه، حتى لا يصل للناس أي شيء غير مراد الله.
- ضمان الحفظ من النسيان:
قال تعالى:
$$\text{سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ}$$(سورة الأعلى: 6-7). وهذا وعد إلهي بحفظ القرآن في قلب النبي صلى الله عليه وسلم.
- ضمان العصمة من الخطأ في التبليغ:
قال تعالى:
$$\text{وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ}$$(سورة الحاقة: 44-46).
هذا تهديد شديد يُبين أن أي محاولة لتقوُّل (اختلاق) شيء على الله في الوحي سيتم منعها فوراً وعقاب فاعلها، وهذا يؤكد استحالة أن يقع النبي في مثل هذا الخطأ.
2. الوحي ليس محلاً للظن أو الهوى
بيّن الله تعالى أن كلام النبي في الرسالة ليس من اجتهاده الشخصي ولا من هوى نفسه، بل هو وحي خالص:
- قال تعالى:
$$\text{وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ}$$
(سورة النجم: 3-4).
3. وظيفة الرقابة الملائكية
إقرأ أيضا:إبطال شبهات الخوارج في التكفير
أثبت القرآن أن حفظ الوحي يتم عن طريق ملائكة موكّلين بحفظ الرسول وما يبلغه، لضمان عدم اختلاط الرسالة بأي مؤثر خارجي:
- قال تعالى:
$$\text{عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا لِّيَعۡلَمَ أَن قَدۡ أَبۡلَغُواْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمۡ}$$
(سورة الجن: 26-28).
ثانياً: الفرق بين العصمة في التبليغ والاجتهاد البشري
يجب التمييز بين مجالين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم:
| المجال | صفته | الحكم الشرعي |
| 1. التبليغ عن الله (الوحي) | تشريع خالص من الله، سواء قرآن أو سنة. | معصوم مطلقاً. لا يمكن أن يُفتن أو يخطئ أو يُضل، وإلا بطلت الرسالة. |
| 2. الاجتهاد في الأمور الدنيوية | الاجتهاد الشخصي في مسائل الحرب، أو الإدارة، أو تنظيم الأمور الدنيوية، أو بعض الفتاوى قبل نزول الوحي. | غير معصوم. قد يقع فيه الخطأ، لكن الله لا يقرّه عليه بل يصححه بالوحي فوراً. |
أمثلة على تصحيح الاجتهاد (وليس فتنة عن الوحي):
إقرأ أيضا:شبهة من أنكر رؤية الله تعالى يوم القيامة- الأسرى في بدر: اجتهد النبي في أخذ الفدية من أسرى بدر، فأنزل الله آيات تعاتبه وتصوّب اجتهاده ليصبح حكماً شرعياً ثابتاً (سورة الأنفال: 67).
- حادثة ابن أم مكتوم: عبس النبي في وجه الأعمى الفقير الذي جاء يسأله وهو مشغول بدعوة سادة قريش، فأنزل الله سورة كاملة (سورة عبس) لتصحيح هذا السلوك، وبيان أن الاهتمام بالفقير أولى.
النتيجة: هذه الأمثلة لا تدل على فتنة النبي عن الوحي، بل تدل على أنه بشر يجتهد، لكن الله يراقب اجتهاده ويصححه بالوحي فوراً لضمان بقاء التشريع كاملاً ومثالياً.
ثالثاً: الرد على الشبهة المعروفة بـ “الغرانيق”
قد تُثار شبهة تاريخية ضعيفة حول قصة “الغرانيق” (التي تقول إن الشيطان ألقى على لسان النبي آيات مدح لآلهة قريش ثم تراجع عنها).
- ضعف سند الرواية: هذه القصة ضعيفة جداً من الناحية الحديثية، ولا تصح إسناداً. وقد أنكرها وحذر منها كبار المحدثين والفقهاء.
- مخالفة لقطعية القرآن: القصة تخالف النصوص القرآنية القطعية الصريحة التي تؤكد عصمة النبي في التبليغ (كما في الآيات المذكورة أعلاه في سورة الحاقة والنجم). فكيف يُفتن النبي والشيطان يتدخل في وحيه، والله تعالى يقول:
$$\text{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}$$
(سورة الحجر: 42)؟ فمن باب أولى أن يكون رسوله معصوماً منه.
- فهم خاطئ لـ “تمني الرسول”: بعض من استدلوا على القصة استندوا إلى آية
$$\text{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ}$$
(سورة الحج: 52). والمراد بـ “أمنيته” هنا هو قراءته أو ما يتمناه من هداية قومه، وليس أن الشيطان يلقي في وحيه. والآية تدل على أن الله يزيل ما ألقاه الشيطان، ويُحكم آياته، أي أن الوحي نهاية الأمر يكون محفوظاً ومحكماً.
خلاصة القول
إن عقيدة عصمة الأنبياء في التبليغ عن الله هي عقيدة إجماعية وضرورية لصحة الدين. الوحي الإلهي رسالة سماوية لا يمكن أن تكون عرضة للفتنة أو الضلال أو الأهواء البشرية، وقد تكفّل الله تعالى بحفظ نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك الضلال بشكل مطلق في كل ما يبلغه عن ربه.
