آيات ظاهرها التعارض

وإن منكم إلا واردها

بالتأكيد. إليك مقال شامل ومعمق يتناول الآية الكريمة: ”

$$وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا$$

” (سورة مريم: 71)، مع التركيز على تفسيرها الروحي واللغوي، ومذاهب العلماء في فهم معنى “الورود” في هذا السياق، والعبر المستفادة:


 

🔥 “وإن منكم إلا واردها”: الحتم الإلهي ودلالات الورود على الصراط 🌉

 

تُعد الآية الكريمة ”

$$وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا$$

” (سورة مريم: 71) من أكثر النصوص القرآنية عمقاً وإثارة للتفكر في مشهد يوم القيامة. تقع هذه الآية في سياق الحديث عن أهوال يوم القيامة وحساب العباد، وتضمنت إعلاناً إلهياً حاسماً بأن “كل إنسان” سيشهد مشهداً معيناً يتعلق بالنار.

يكمن اللغز اللاهوتي لهذه الآية في كلمة “وَارِدُهَا”، التي تعني في اللغة “الوصول” أو “الإشراف”، مما دفع المفسرين إلى عدة مذاهب لتحديد طبيعة هذا الورود للناس كافة، مؤمنين وكافرين.

 

1. السياق القرآني واللفظ الحاسم

 

جاءت الآية بعد مشهد حشر الكافرين إلى جهنم عطاشى، ثم جاءت هذه الآية بأسلوب الحصر والتأكيد:

  • “وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا”: صيغة “إنْ” النافية المقترنة بـ “إلَّا” الاستثنائية تفيد الحصر والعموم. أي “ما منكم أحد إلا سيدخلها أو يمر عليها.” وخطاب الآية يشمل الناس جميعاً.
  • “كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا”: هذا تأكيد إلهي لا رجعة فيه بأن هذا الأمر هو قضاء لازم وواجب أوجبه الله على نفسه (بمعنى أنه وعد به لا بمعنى الإلزام) ولا بد أن يقع.

 

إقرأ أيضا:بين مغفرة الذنوب والإشراك بالله

2. المذاهب التفسيرية لـ “الورود”

 

اختلف كبار المفسرين والسلف في تحديد معنى “وُرُودِهَا” على مذاهب رئيسية، جميعها يؤكد أن المؤمنين سينجون منها بفضل الله:

 

المذهب الأول: الورود بمعنى المرور على الصراط (مذهب الجمهور)

 

ذهب جمهور المفسرين (ومنهم ابن عباس، وابن مسعود، وأغلب التابعين) إلى أن الورود هنا يعني المرور على جسر جهنم، وهو الصراط.

  • التفصيل: يُنصب الصراط (جسر أدق من الشعرة وأحدّ من السيف) فوق متن جهنم. يمر عليه الناس جميعاً:
    • المؤمنون: يمرون عليه بحسب قوة إيمانهم وأعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يسعى، وينجحون في الوصول إلى الجنة.
    • الكافرون: يتردون ويسقطون في النار مباشرة.
  • الاستدلال: هذا التفسير يتوافق مع الآيات التي تليها مباشرة، والتي تتحدث عن نجاة المتقين وهلاك الظالمين: ”
    $$ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا$$

    “.

 

المذهب الثاني: الورود بمعنى الدخول (مذهب عكرمة)

 

ذهب بعض السلف (كعكرمة) إلى أن الورود هنا يعني الدخول الحقيقي في النار.

إقرأ أيضا:انفروا خفافاً وثقالا
  • التفصيل: يرى هذا المذهب أن المؤمنين سيدخلون النار (كما يدخل الكافرون)، ولكنها لن تضرهم، بل تكون عليهم “برداً وسلاماً”، اقتداءً بقصة إبراهيم عليه السلام. ومع ذلك، هذا التفسير ضعفه الجمهور لأن الآية التي تليها تتحدث عن “النجاة” وليس عن “الدخول والخروج”.

 

المذهب الثالث: الورود بمعنى الإشراف والاطلاع

 

ويرى بعض المفسرين أن الورود هو مجرد الاقتراب من النار والنظر إليها، ليرى الناس بأعينهم حقيقة الجحيم وشديد عذابها.

  • التفصيل: يرى هذا التفسير أن الكافرين يدخلونها، بينما المؤمنون يُشرفون عليها ويسمعون زفيرها ويرون أهوالها، ثم يُنجون منها.

 

3. الحكمة من هذا الحتم الإلهي

 

مهما كان التفسير المرجح، فإن “حتمية الورود” تحمل دلالات تربوية وإيمانية عظيمة:

  • تثبيت يقين المؤمن: عندما يرى المؤمن بفضل الله نجاة من أمر حتمي كهذا، يزداد يقينه بأن وعد الله بالنجاة حق، ويشعر بعظمة الإنعام الإلهي عليه.
  • إظهار العدل الإلهي: يرى الناس جميعاً بعين اليقين الفارق بين جزاء المتقين وجزاء الظالمين. فالظالمون يتردون، والمتقون ينجون.
  • عظمة ثبات المتقي: إن مجرد المرور على الصراط فوق جهنم أو رؤيتها هو مشهد لا يُحتمل. وهنا يتجلى فضل المتقين الذين ثبّتهم الله على هذا الجسر بفضل أعمالهم وإيمانهم.
  • الخوف المحمود: الآية ترسخ الخوف المحمود في القلب، الذي يدفع الإنسان للعمل الصالح، فليس هناك مفر من هذا المشهد، والمصير معلق بالتقوى والعمل الصالح.

 

إقرأ أيضا:التعارض في القرآن الكريم

خاتمة

 

تبقى آية ”

$$وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا$$

” آية تهز القلوب وتدعو إلى التدبر العميق. بتفسير الجمهور لها على أنها المرور على الصراط المنصوب فوق جهنم، فإنها لا تعارض وعد الله للمؤمنين بالنجاة، بل تؤكده. إنها تثبت أن الجميع سيشهد هول الموقف، لكن النجاة والخلود هما للمتقين الذين ينجيهم الله بلطفه ورحمته من هذا المصير الحتمي: ”

$$ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا$$

“.


هل تود مقالاً آخر حول آية قرآنية أو قصة من قصص القرآن؟

السابق
بين الصدقة على النفس والإيثار عليها
التالي
حتى تأتيهم البينة