أمثال قرآنية

وجعلنا له نورا يمشي به

تفسير الآية الكريمة: “أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” من سورة الأنعام مع أسباب النزول والدروس العظيمة في نعمة الهداية والنور الإلهي

الآية الكريمة هي الآية 122 من سورة الأنعام، وهي مثل بليغ يضربه الله تعالى ليبين الفرق بين المؤمن الذي أحياه الله بالإيمان وجعل له نور الهداية يسير به في الحياة، وبين الكافر الذي يعيش في ظلمات الكفر والضلال، لا يخرج منها أبداً. يُشبه الله حال المؤمن قبل الإسلام بالميت، ثم يُحييه بالإيمان، ويمنحه نوراً يمشي به بين الناس بثقة واطمئنان.

السياق التاريخي وسبب النزول:

  • روى الإمام الطبري وابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الآية نزلت في شأن عمار بن ياسر وأبي جهل. كان عمار ميتاً في الكفر، فأحياه الله بالإسلام، وجعل له نوراً يمشي به. أما أبو جهل فكان في ظلمات الكفر، لا يخرج منها رغم الدعوة.
  • في رواية أخرى عند البخاري: نزلت في حمزة بن عبد المطلب أو عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، الذين كانوا في ظلمة الجاهلية، فأحياهم الله بالإيمان وجعل لهم نوراً.
  • الآية جاءت ردّاً على المشركين الذين يستكبرون عن الإسلام، وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن عدم إيمانهم، مؤكدة أن النور هداية إلهية.

التفسير المفصل للآية:

  1. أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ:
    • “ميتاً”: حال الكافر قبل الإسلام، ميت القلب بسبب الشرك والجهل، قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ} (سورة النمل: 80).
    • “فأحييناه”: بالإيمان والقرآن، فأصبح حياً يعقل ويدرك الحق.
  2. وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ:
    • “نوراً”: نور الإيمان والقرآن والسنة، يهدي صاحبه في ظلمات الدنيا، كالسراج في الليل.
    • “يمشي به في الناس”: يسير بثقة بين الناس، يميز الحق من الباطل، الخير من الشر، مطمئناً غير حائر.
  3. كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا:
    • “في الظلمات”: ظلمة الكفر والشرك والمعاصي، متعددة (الجهل، الشهوات، الشبهات).
    • “ليس بخارج منها”: محاصر فيها، لا يجد مخرجاً، كمن في كهف مظلم.
  4. كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ:
    • زُين الشيطان لهم الكفر والمعاصي، فيظنونها حسنة، كما زُين لإبليس السجود لآدم رفضه.

الدروس والعبر المستفادة من الآية:

  • نعمة الإيمان حياة: الكفر موت للقلب، والإسلام حياة ونور، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمن كمثل الشجرة الخضراء لا يسقط ورقها” (رواه البخاري).
  • النور هداية إلهية: يمنحها الله لمن يطلبها بصدق، وهو القرآن: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} (سورة المائدة: 15).
  • الفرق بين المؤمن والكافر: المؤمن يمشي بنور، والكافر في ظلمات، فلا يستويان.
  • للمسلم: اغتنم النور بالعلم والعمل، وحافظ عليه بالطاعة، وادعُ لغيرك بالهداية.
  • تحذير من الظلمات: الإعراض عن القرآن يُطفئ النور، ويُدخل في الظلام.
  • تطبيق معاصر: في عصر الفتن، النور هو التمسك بالكتاب والسنة، يهدي في السياسة والاقتصاد والأخلاق.

أمثلة مشابهة في القرآن والسنة:

  • قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (سورة البقرة: 257).
  • حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “القرآن نور” (رواه أحمد).
  • مثل الصراط المستقيم كالنور في الحديث: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك” (رواه الترمذي).

قصص تطبيقية من السيرة:

  • عمار بن ياسر رضي الله عنه: عُذب في مكة، لكنه ثبت، فأحياه الله بالإيمان وجعل له نوراً، هاجر وجاهد.
  • عمر بن الخطاب: كان ميتاً في الجاهلية، فسمع القرآن فأحياه الله، وجعل له نوراً، فأصبح فاروق الأمة.
  • أبو جهل: بقي في ظلمات الكفر، رغم رؤيته المعجزات، فمات في بدر كافراً.

في الختام، قوله تعالى “وجعلنا له نوراً يمشي به” نعمة عظيمة من الله للمؤمن، يسير بها في طريق الجنة مطمئناً، بينما الكافر في ظلمات لا مخرج منها، فنسأل الله أن يحيي قلوبنا بالإيمان، ويجعل لنا نوراً نهتدي به في الدنيا والآخرة، ويثبتنا على الهداية حتى نلقاه.

إقرأ أيضا:مثل نقض العهود
السابق
مثل غيبة المسلم
التالي
مثل من يرد الله أن يهديه