تأملات قرأنية

ولآمرنهم فليغيرن خلق الله

 

📜 “وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ”: وعد إبليس بتغيير الفطرة والخِلقة

 

تُعتبر هذه العبارة جزءًا من آية عظيمة في كتاب الله، تُبيّن المخطط الذي وضعه إبليس اللعين لإغواء بني آدم وإخراجهم عن طريق الاستقامة. جاءت هذه الجملة ضمن خطاب إبليس بعد أن طُرِدَ من رحمة الله وتوعّد البشر بالغواية، وذلك في قوله تعالى:

$$\text{إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا * لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}$$

(سورة النساء: الآيات 117-119)

تفسير هذه العبارة “وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ” يشمل جانباً معنوياً يتعلق بالدين وجانباً حسياً يتعلق بالجسد.


 

أولاً: التغيير المعنوي (تغيير الفطرة والدين)

 

ذهب كثير من السلف والمفسرين، وعلى رأسهم ابن عباس رضي الله عنه، إلى أن المقصود الأعظم من تغيير خلق الله هو: تغيير دين الله تعالى، وتبديل فطرته التي فطر الناس عليها.

  • فطرة التوحيد: خلق الله الناس على فطرة التوحيد والإقرار بالربوبية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.” (متفق عليه).
  • دور الشيطان: يحاول إبليس أن يأمر الإنسان بالخروج عن هذه الفطرة السليمة إلى الشرك والكفر والبدع، فيكون بذلك قد غيَّر أعظم خلق خلقه الله في الإنسان وهو القلب السليم الموحِّد.
  • تحريم الحلال وتحليل الحرام: يدخل في هذا المعنى كل تغيير في أحكام الشريعة بالاجتهاد الباطل أو الهوى، كتحريم ما أحل الله (مثل ما كان يفعله المشركون في الجاهلية بتحريم السائبة والبحيرة)، أو تحليل ما حرّم.

 

إقرأ أيضا:تعريف سورة آل عمران

ثانياً: التغيير الحسي (تغيير الخلقة والصورة)

 

يشمل التفسير الحسّي كل فعل يهدف إلى تغيير شكل أو هيئة المخلوق عبثاً أو تجملاً مُحرمّاً، وقد فصّلت السنة النبوية الشريفة هذا الجانب:

 

1. ما ورد فيه النص الصريح:

 

هناك أفعال نصّت عليها الأحاديث بأنها تغيير لخلق الله، وورد فيها اللعن الشديد:

  • الوشم: غرز الجلد بالإبر ووضع الأصباغ لـتغيير لون الجلد، وهو من أوضح صور تغيير الخلقة.
  • النمص: نتف شعر الحواجب بغرض التحديد والترقيق، لما فيه من إظهار للجمال المحرم.
  • وصل الشعر: إضافة شعر مستعار أو شعر آدمي إلى الشعر الأصلي.
  • التفلج: برد الأسنان وتفليجها (المباعدة بينها) لغرض التحسين، كما جاء في الحديث: “لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله.” (متفق عليه).

 

2. عمليات التجميل غير العلاجية:

 

بناءً على هذا التفسير، ألحق العلماء المعاصرون بالتحريم عمليات التجميل الجراحية التي لا تكون لغرض علاجي (كإزالة عيب خَلقي وُلِد به الإنسان، أو عيب عارض ناتج عن حرق أو حادث).

  • فإذا كانت العملية لزيادة الحسن والجمال دون حاجة، اعتبرت من تغيير خلق الله المحرَّم، استجابةً لأمر الشيطان بتغيير الصورة التي خلقها الله عليها.

 

إقرأ أيضا:أثر القرآن على النفس

🔑 المقصد والرسالة

 

الآية الكريمة هي تحذير رباني عظيم للمؤمنين من الانقياد لأوامر إبليس وإضلاله. فسبل تغيير خلق الله كثيرة ومتنوعة، سواء كانت بالتغيير في المضمون العقدي والشرعي (الدين)، أو بالتغيير في الشكل والصورة الخارجية (الخِلقة).

إقرأ أيضا:صفات المؤمنين في مطلع سورة المؤمنون

فجوهر المعصية هنا هو: عدم الرضا بما قسمه الله وقدّره، ومحاولة تعديل أفعال الله تعالى. إن الرضا بالفطرة السليمة والتوحيد الخالص، والرضا بالخلقة الطبيعية التي خلقنا الله عليها، هو صمام الأمان الذي يحمي المسلم من الاستجابة لوعد الشيطان بتغيير خلق الله.

هل تود مقالاً تفصيلياً عن حكم عمليات التجميل الحديثة (مثل شد الوجه أو تصغير الأنف) في ضوء هذه الآية؟

السابق
يمكرون والله خير الماكرين
التالي
ابن كثير تفسير القرآن