مقال عن آية: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ)
الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (النساء: 32)، هي دستور إلهي ينظم نظرة الإنسان إلى ما يمتلكه الآخرون، ويهذب مشاعر الطمع والحسد، ويرسم خريطة طريق واضحة للسعادة والرضا.
الحكمة من النهي عن التمني
النهي في هذه الآية ليس نهيًا عن الطموح أو السعي لطلب الزيادة، بل هو نهي عن نوع معين من التمني يكمن وراءه اعتراض مبطن على حكمة الله وقسمته، وهو تمني زوال النعمة من الغير أو تمني حصولها لك دون سعي واجتهاد.
- اعتراض على القسمة الإلهية: إن التفضيل في الرزق، والجاه، والقوة، والمكانة، وحتى في التكاليف الشرعية (كما في الجهاد أو الميراث الذي كان سبباً لنزول الآية)، هو تفضيل صادر عن علم الله المطلق وحكمته البالغة، حيث يعلم سبحانه ما هو أصلح لكل فرد وما يناسب طبيعته ودوره في الحياة. فالله يعطي ويمنع لحكمة لا يدركها الإنسان.
- بوابة الحسد: التمني الباطل لما في يد الغير هو الخطوة الأولى التي تفتح الباب على مصراعيه لمرض الحسد، وهو من أخطر أمراض القلوب. الحاسد لا يكتفي بتمني ما عند الآخر، بل يكره نعمة الله على غيره ويتمنى زوالها، وهذا اعتراض صريح على القضاء والقدر الإلهي.
إقرأ أيضا:يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا
المعادلة الربانية: العمل والدعاء
لم تقتصر الآية على النهي فحسب، بل قدمت بديلاً إيجابياً وعلاجاً فعالاً لمشاعر النقص والغيرة، ويتمثل هذا العلاج في شقين:
أولاً: العمل (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ)
هذا الشق يوجه الأنظار بعيداً عن مقارنة مكتسبات الآخرين، ويدعو إلى التركيز على الجهد الشخصي والعمل الصالح. إن النصيب الذي يناله الإنسان، سواء كان رجلاً أو امرأة، في الدنيا والآخرة، هو نتيجة مباشرة لاكتسابه وعمله. هذا المقطع يقرر مبدأ العدل الإلهي في الجزاء؛ فالمفاضلة في التكاليف والأرزاق لا تعني نقصاً في الجزاء، بل الجزاء مرتبط بالعمل المكتسب.
ثانياً: الدعاء (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ)
بدلاً من التمني السلبي، تدعو الآية إلى السؤال الإيجابي ورفع الحاجة إلى الله وحده. فبدلاً من أن يتمنى الإنسان ما أعطاه الله لغيره، عليه أن يسأل الله أن يعطيه من فضله العظيم، وهو باب واسع لا ينضب. فالله يحب أن يُسأل، ولا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. هذا هو مفتاح الطموح المشروع الذي لا يورث الحقد، بل يورث افتقار العبد لربه ورجاءه فيه.
إقرأ أيضا:فنَظِرَةٌ إلى ميسرة
النتيجة: الرضا والسكينة
تختتم الآية بـ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾، وهي الجملة التي تمثل الأساس لكل ما سبق. إن علم الله المحيط يضمن أن التفضيل بين الناس قائم على حكمته الكاملة وعلمه بما يصلحهم، وما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
إقرأ أيضا:سبب نزول أوائل آل عمرانالرضا بما قسم الله، والاجتهاد في العمل المباح، والمداومة على سؤال الله من فضله، هذه هي أركان السكينة الحقيقية. إنها تعلم المسلم أن يركز على مساره الخاص، وأن يعمل بما يملك من إمكانات، وأن يثق أن الله هو الخالق المدبر الذي يعطي كل ذي حق حقه، ويعلم السر وأخفى.
هل تود أن أبحث لك عن تفاسير أخرى لهذه الآية أو تفاصيل تتعلق بـ الغبطة (وهي التمني المشروع)؟
