من البعثة إلى الهجرة

ولا تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ والعَشِيِّ

الآية الكريمة هي الآية 52 من سورة الأنعام، وهي موجهة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، تحذره من طرد الفقراء والضعفاء من المؤمنين الذين يجلسون معه للعبادة والدعاء، خوفاً من أن ينفر منه كبراء قريش. يؤكد الله تعالى فيها على قيمة الإيمان الصادق والإخلاص، بغض النظر عن الوضع الاجتماعي أو المادي، ويحذر من الظلم الناتج عن التمييز بين المسلمين.

السياق التاريخي وسبب النزول:

  • روى الإمام البخاري ومسلم عن سعيد بن جبير أن الآية نزلت في شأن فقراء المسلمين مثل بلال بن رباح، وصهيب الرومي، وخباب بن الأرت، وعمار بن ياسر، وغيرهم من العبيد والضعفاء الذين كانوا يجلسون مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد يدعون الله صباحاً ومساءً.
  • كان كبراء قريش مثل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة يقولون للنبي: “اطرد هؤلاء عنك حتى نجلس إليك، فإنهم يؤذوننا بريحهم وثيابهم الرثة”. فهمس الشيطان في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ليطردهم لعله يجذب الكفار إلى الإسلام، فنزلت الآية تمنعه من ذلك وتوبخه بلطف.
  • في رواية أخرى عند الطبري: اقترح بعض الصحابة مثل الأقرع بن حابس على النبي أن يفصل مجلسه عن الفقراء، فأنزل الله هذه الآية لتأكيد المساواة في الدين.

التفسير المفصل للآية:

  1. وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ:
    • “تطرد”: أي لا تبعدهم أو تنفرهم عن مجلسك.
    • “يدعون ربهم بالغداة والعشي”: الغداة هي الصباح الباكر (من الفجر إلى الظهر)، والعشي هو المساء (من العصر إلى الليل). يشير إلى المداومة على الصلاة والذكر في أوقات الفضيلة، كصلاة الفجر والعصر، أو الدعاء المستمر.
    • هؤلاء المؤمنون الفقراء كانوا مخلصين، يريدون وجه الله لا دنيا.
  2. يُرِيدُونَ وَجْهَهُ:
    • إخلاصهم في العبادة، لا يطلبون مالاً أو جاهاً، بل رضا الله وحده. هذا يبرز أن الإيمان الحقيقي في القلب لا في المظهر.
  3. مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ:
    • لا مسؤولية عليك عن أعمالهم، ولا عليهم عن أعمالك. كل يُحاسب على نفسه يوم القيامة، فلا داعي للتمييز بناءً على الفقر أو الغنى.
  4. فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ:
    • إذا طردتهم، تكون ظالماً لهم ولنفسك، لأنك تفضل الكفار على المؤمنين، وتخالف أمر الله.

الدروس والعبر المستفادة من الآية:

  • المساواة في الإسلام: لا تمييز بين المسلمين على أساس الغنى أو الفقر، العربي أو الأعجمي، إلا بالتقوى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى” (رواه أحمد).
  • أهمية الإخلاص والمداومة على الدعاء: يُشجع على الذكر في الصباح والمساء، كأذكار الصباح والمساء الواردة في السنة.
  • للدعاة والقادة: لا تطرد الضعفاء من المجالس الدينية، بل اجعلهم في الصدارة، فهم أولى بالرحمة والتعليم.
  • تحذير من التكبر والطبقية: الغني لا يفوق الفقير إلا بعمله، وقد يكون الفقير أقرب إلى الله بإخلاصه.
  • تطبيق عملي: في المساجد والمجالس العلمية، يجب معاملة الجميع بالعدل، وتشجيع الفقراء على الحضور دون إحراج.

قصص تطبيقية من السيرة النبوية:

  • مجلس النبي صلى الله عليه وسلم: كان يجلس مع بلال (الحبشي العبد السابق) وسلمان الفارسي (الأعجمي) وأبي بكر (الغني)، متساوين.
  • رد النبي على اقتراح التمييز: قال لمن اقترح طرد الفقراء: “دعوهم، فإنهم أوليائي وأصحابي”، واستمر في مجالستهم حتى نزلت الآية تؤيده.
  • إسلام صهيب الرومي: ترك ماله كله في مكة وهاجر فقيراً، فقال النبي: “ربح البيع أبا يحيى”.

هذه الآية تذكير دائم بأن الإسلام دين العدل والإخلاص، يرفع الضعيف بالتقوى، ويحذر من الظلم الاجتماعي، ليبقى المجتمع المسلم متماسكاً تحت راية التوحيد والمساواة أمام الله تعالى.

إقرأ أيضا:كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم
السابق
تصدّقن يا معشر النّساء
التالي
الرحمة النبوية في غزوة أحد