🖋️ “وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ”: حقيقة المكر الإلهي في مواجهة مكر البشر
هذه الآية الكريمة، التي وردت في سياق قصص الأنبياء وجهادهم ضد المكذبين، تحمل دلالات عقدية عظيمة وتُعد قاعدة أساسية في فهم علاقة إرادة المخلوق بإرادة الخالق. وهي قوله تعالى:
(سورة آل عمران: الآية 54)
تخص هذه الآية حادثة محاولة اليهود التآمر لقتل المسيح عيسى عليه السلام، ولكن معناها يتجاوز القصة ليصبح قانوناً إلهياً عاماً في التعامل مع مكر الأعداء.
أولاً: معنى المكر وحقيقته
كلمة “المكر” في اللغة تُطلق على التخطيط الخفي الذي يهدف إلى إلحاق الضرر بالطرف الآخر أو خداعه، وغالباً ما يكون بطريقة سرية ومفاجئة.
1. مكر المخلوق (وَيَمْكُرُونَ):
- وصفه: هو مكر محدود القدرة، مبني على الظن والجهل بآجال الأمور وعواقبها. هذا المكر يكون غالباً شراً خالصاً يُقصد به الباطل وإيقاع الأذى.
- المقصودون: هم أعداء الأنبياء والمصلحين والمؤمنين، الذين يُدبرون المؤامرات في الخفاء للقضاء على الحق وأهله. في سياق الآية كان المقصود هو مكر اليهود للنيل من عيسى عليه السلام.
إقرأ أيضا:سر سورة الفاتحة
2. مكر الخالق (وَيَمْكُرُ اللَّهُ):
- وصفه: المكر إذا نُسب إلى الله تعالى فهو ليس سِمة نقص، بل هو صفة كمال تليق بجلاله، وتُطلق على الجزاء بالمكر على المكر.
- المعنى اللائق بالله: إن مكر الله هو تدبيره المحكم الذي يُحبط به كيد الكائدين ويُبطِل خططهم، ويرد كيدهم في نحورهم. وهو في حق المؤمنين عدل وحكمة ونصر.
- كيفية مكر الله: يكون إمّا عن طريق:
- الإمهال: يتركهم الله في غيهم، فيتمادون في المكر والباطل، حتى يظنوا أنهم قد انتصروا، ثم يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.
- القلب: قلب المكر على صاحبه، بحيث تكون نهاية تدبيرهم في صالح المؤمنين، كما حدث مع عيسى عليه السلام، حيث ظنوا أنهم صلبوه، فرفعه الله ونجاه.
ثانياً: سر العظمة في “وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ”
تأتي هذه الجملة لترسخ قاعدة الإيمان في قلب المؤمن، وهي قاعدة القدرة المطلقة للخالق على إفشال أي تدبير للمخلوق:
- الشمول والكمال: مكر البشر محدود الزمان والمكان، بينما مكر الله شامل ومحيط بكل شيء، لا تخفى عليه خافية، فهو يدبر في الخفاء والعلن، في الماضي والحاضر والمستقبل.
- الغاية والنهاية: مكر البشر غايته غالبًا الشر والفساد، أما مكر الله فغايته إقامة الحق والعدل والحكمة، وهو نصر للمظلومين وعقاب للظالمين.
- العلم المطلق: مكر البشر يقوم على الظنون والاجتهادات التي قد تصيب وقد تخطئ، أما مكر الله فيقوم على العلم المطلق بكل الدوافع والخبايا والنتائج. فالله يعلم غاية مكرهم قبل أن يبدأ، ولذلك هو خير الماكرين.
إقرأ أيضا:أهمية علم التجويد
ثالثاً: العبر المستفادة للمؤمن
تحمل الآية في طياتها سكينة عظيمة ودروسًا إيمانية عميقة:
- الطمأنينة والثقة: على المؤمن ألا يخاف من مكائد الأعداء ومؤامراتهم، فمهما بلغ مكرهم من الدقة والإحكام، فإن هناك تدبيراً إلهياً أعلى وأقوى ينتظره، يقلبه عليهم.
- الأخذ بالأسباب والتوكل: يجب على المؤمن أن يأخذ بالأسباب في مواجهة المكر والشر، لكن قلبه يجب أن يكون موكولاً إلى الله، مُسلماً بأن النصر والتدبير الأخير هو بيد خالقه.
- قانون الجزاء: الآية تؤكد أن أي مكر أو ظلم يُرتكب في حق المؤمنين هو سُنة إلهية للابتلاء، وسينقلب عاقبته إلى نصر للمؤمنين وهلاك للكائدين، كما قال تعالى في موضع آخر: “وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ” (فاطر: 43).
إن الإيمان بأن الله هو خير الماكرين، يُحوّل شعور القلق من مؤامرات الأعداء إلى يقين راسخ بأن كل مكيدة مدبَّرة تحمل في طياتها بذرة فنائها بيد القدرة الإلهية.
إقرأ أيضا:سبب نزول سورة الفتحهل تود أن أبحث عن آيات أخرى ورد فيها ذكر صفة المكر أو التدبير الإلهي؟
