العقائد القرانيه

الآيات القرآنية في إثبات صفة اليد لله تعالى

الآيات القرآنية في إثبات صفة اليد لله تعالى

يُعد إثبات صفات الله تعالى من أهم قضايا العقيدة الإسلامية، لأنها تُركز على تنزيه الله سبحانه وتعالى عن مشابهة المخلوقات مع الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. من بين هذه الصفات، صفة “اليد” التي وردت في القرآن الكريم في عدة آيات، والتي أثارت نقاشات بين الفرق الإسلامية حول كيفية فهمها وتأويلها. في هذا المقال، نستعرض الآيات القرآنية التي تُثبت صفة اليد لله تعالى، مع توضيح موقف أهل السنة والجماعة، الأدلة من القرآن والسنة، آراء العلماء، والرد على الشبهات، مستندين إلى النصوص الشرعية والتفسيرات العقدية.

موقف أهل السنة والجماعة من صفة اليد

يؤمن أهل السنة والجماعة بصفة اليد لله تعالى كما وردت في القرآن والسنة، مع الإيمان بها على وجه يليق بجلال الله، دون تكييف (تحديد كيفيتها) أو تمثيل (تشبيهها بصفات المخلوقات)، ودون تعطيل (إنكارها) أو تحريف (تأويلها بما يخالف ظاهرها). يعتمد أهل السنة على قاعدة: “إثبات الصفات مع التنزيه”، استنادًا إلى قوله تعالى: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” (سورة الشورى: 11). أي أن الله يُوصف بما وصف به نفسه، لكن صفاته لا تُشبه صفات المخلوقات.

الآيات القرآنية التي تُثبت صفة اليد لله تعالى

وردت صفة اليد لله تعالى في عدة آيات قرآنية، نذكر منها أبرزها مع توضيح سياقها ودلالاتها:

إقرأ أيضا:محور العقيدة في القرآن الكريم

1. سورة البقرة: الآية 95

  • النص: “وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ” (سورة البقرة: 95).

  • السياق: تتحدث الآية عن اليهود الذين يتجنبون تمني الموت خوفًا من العقاب بسبب أعمالهم. كلمة “أيديهم” تُشير إلى أعمال اليهود، لكنها تُقارن ضمنًا بصفة اليد لله في سياقات أخرى، كما سيأتي.

  • دلالة صفة اليد: وردت الصفة في سياقات أخرى تُثبتها لله، مما يُؤكد أنها صفة ذاتية لله على وجه يليق به.

2. سورة آل عمران: الآية 73

  • النص: “وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” (سورة آل عمران: 73).

  • السياق: تُخاطب الآية أهل الكتاب الذين حسدوا المسلمين على النبوة والوحي، وتُؤكد أن الفضل بيد الله وحده.

  • دلالة صفة اليد: تُثبت الآية صفة اليد لله تعالى، بمعنى أن الفضل والعطاء تحت تصرفه ومشيئته، على وجه يليق بجلاله.

    إقرأ أيضا:الشفاعة في آيات القرآن الكريم بين النفي والإثبات

3. سورة المائدة: الآية 64

  • النص: “وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۘ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ” (سورة المائدة: 64).

  • السياق: ردّت الآية على اليهود الذين قالوا إن يد الله مغلولة، أي بخيلة أو عاجزة، فأكدت أن يدي الله مبسوطتان، أي أنه كريم ينفق كيف يشاء.

  • دلالة صفة اليد: تُثبت الآية صفة اليدين لله تعالى بصيغة المثنى، على وجه يليق به، مع نفي التشبيه بالمخلوقات.

4. سورة ص: الآية 75

  • النص: “قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ” (سورة ص: 75).

  • السياق: تتحدث الآية عن خلق آدم عليه السلام، حيث أمر الله إبليس بالسجود له، فامتنع متكبرًا.

  • دلالة صفة اليد: تُثبت الآية صفة اليدين لله تعالى، مُشيرة إلى أن خلق آدم تم بيدي الله بطريقة خاصة تُظهر تشريفه.

5. سورة الذاريات: الآية 47

  • النص: “وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ” (سورة الذاريات: 47).

    إقرأ أيضا:التحذير من الشرك في القرآن الكريم
  • السياق: تُبين الآية قدرة الله العظيمة في بناء السماء، مُستخدمة كلمة “بأيد” للدلالة على القوة والقدرة.

  • دلالة صفة اليد: تُثبت الآية صفة الأيد لله، مُشيرة إلى قدرته وإتقانه في الخلق، على وجه يليق به.

الأدلة من السنة النبوية

  • عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار” (رواه البخاري ومسلم). يُثبت الحديث صفة اليد لله بمعنى الكرم والعطاء.

  • عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين” (رواه مسلم). يُؤكد الحديث صفة اليدين لله، ويُبين أن يديه يمين، مما يُبرز الكمال.

  • عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يطوي الله السماوات يوم القيامة بيده، ويأخذ الأرض بيده الأخرى، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟” (رواه البخاري ومسلم). يُثبت الحديث صفة اليدين بمعنى القوة والسلطان.

موقف العلماء من صفة اليد

  • أهل السنة والجماعة: يُثبتون صفة اليد لله كما وردت، على وجه يليق به، دون تكييف أو تمثيل. قال الإمام أحمد بن حنبل: “نؤمن بصفات الله كما وردت، ولا نُشبهها بصفات المخلوقات”.

  • ابن تيمية (ت 728هـ): في “العقيدة الواسطية”، أكد أن صفة اليد ثابتة لله، ويجب إثباتها مع التنزيه عن مشابهة المخلوقات.

  • ابن القيم (ت 751هـ): في “مدارج السالكين”، دافع عن إثبات الصفات، مُبينًا أن تأويلها بغير ظاهرها تحريف.

  • المعطلة (الجهمية والمعتزلة): أنكروا صفة اليد أو أوّلوها بمعانٍ مجازية (كالقدرة أو النعمة)، وهو مذهب ردّه أهل السنة لأنه يُخالف الظاهر.

  • الممثلة: شبهوا صفة اليد بأيدي المخلوقات، وهو مذهب باطل لأنه يناقض تنزيه الله.

الرد على شبهات المعطلة

  • الشبهة الأولى: صفة اليد تُشبه أيدي المخلوقات، فيجب تأويلها.

    • الرد: قوله تعالى: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ” ينفي التشبيه. صفة اليد لله تليق بجلاله، ولا تُشبه صفات المخلوقات.

  • الشبهة الثانية: إثبات اليد يُؤدي إلى التجسيم.

    • الرد: إثبات الصفات لا يعني التجسيم، بل هو إيمان بما وصف الله به نفسه مع التنزيه. قال الإمام مالك: “اليد صفة لله، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة”.

  • الشبهة الثالثة: اليد تُفسر بالقدرة أو النعمة.

    • الرد: تأويل اليد بالقدرة تحريف لظاهر النص، لأن القرآن ميّز بين الصفات، ولو أراد الله القدرة لقالها صراحة.

أهمية إثبات صفة اليد

  1. تعزيز التوحيد: إثبات صفات الله كما وردت يُحقق توحيد الأسماء والصفات.

  2. حفظ العقيدة: تجنب التحريف والتعطيل يُحافظ على نقاء الإيمان.

  3. طاعة الله ورسوله: الإيمان بالصفات كما وردت طاعة لله ورسوله.

  4. رد الشبهات: إثبات الصفات يُقوي المسلمين في مواجهة الفرق الضالة.

كيفية التعامل مع صفة اليد

  1. الإيمان بالظاهر: الإيمان بصفة اليد كما وردت، دون تكييف أو تمثيل.

  2. التنزيه: نفي مشابهة صفات الله لصفات المخلوقات.

  3. تجنب التأويل الباطل: الابتعاد عن تأويل الصفات بما يُخالف ظاهر النصوص.

  4. تعلم العقيدة: دراسة كتب العقيدة، كـ”العقيدة الواسطية” لابن تيمية.

  5. الدعاء بالثبات: قول: “رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا” (سورة آل عمران: 8).

الدروس المستفادة

  1. أهمية التوحيد: إثبات صفات الله يُعزز توحيد الأسماء والصفات.

  2. خطورة التحريف: تأويل الصفات بغير ظاهرها يُناقض العقيدة.

  3. دور العلم: تعلم العقيدة يحمي من الشبهات.

  4. وحدة الأمة: التمسك بعقيدة أهل السنة يُوحد المسلمين.

الخاتمة

الآيات القرآنية، مثل “بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ” و**”خَلَقْتُ بِيَدَيَّ”**، تُثبت صفة اليد لله تعالى على وجه يليق بجلاله، دون تكييف أو تمثيل. أهل السنة والجماعة يؤمنون بهذه الصفة كما وردت، مع التنزيه عن مشابهة المخلوقات. يجب على المسلمين تعلم العقيدة الصحيحة، تجنب التأويل الباطل، والتحصن بالعلم والدعاء. إن إثبات صفات الله طريق إلى تعزيز التوحيد، طهارة القلب، والفوز برضوان الله.

السابق
صفة كلام الله في القرآن الكريم
التالي
التحذير من الشرك في القرآن الكريم