المقدمة
قضية التخيير والتسيير (أو الجبر والاختيار) من أهم المسائل العقدية التي دار حولها جدلٌ كبير في تاريخ الفكر الإسلامي. فهي تتعلق بمصير الإنسان: هل هو مجبر على أفعاله أم مخيَّر فيها؟ وما موقف أهل السنة والجماعة من هذه القضية؟ هذا المقال يوضح الرؤية الشرعية الصحيحة، مستندًا إلى الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح.
أولاً: تعريف التخيير والتسيير
- التخيير: هو اعتقاد أن للإنسان إرادة حرة واختيارًا في أفعاله، فهو غير مجبور على الطاعة أو المعصية.
- التسيير (الجبر): هو اعتقاد أن الإنسان مسيَّر بلا اختيار، وأن أفعاله مُحدَّدة سلفًا بقدر الله.
والحق أن أهل السنة يوفقون بين الأمرين: فالإنسان مخيَّر من وجه، ومسيَّر من وجه آخر، كما سيأتي تفصيله.
ثانيًا: أدلة الاختيار من الكتاب والسنة
1- من القرآن الكريم
- قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: 29).
- وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: 3).
فهذه الآيات تثبت أن للإنسان مشيئة واختيارًا.
2- من السنة النبوية
- قال النبي ﷺ: «كُلُّكُمْ مُسَيَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الشَّقَاءِ» (متفق عليه).
- ومع ذلك، فقد أمرنا بالعمل ونهينا عن الكسل، مما يدل على أن لنا إرادة وفعلًا.
ثالثًا: أدلة التسيير (القدر) من الكتاب والسنة
1- من القرآن الكريم
- قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: 29).
- وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (الشورى: 30).
2- من السنة النبوية
- قال النبي ﷺ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» (متفق عليه).
رابعًا: موقف أهل السنة والجماعة (الوسطية بين الجبر والاختيار)
أهل السنة يؤمنون بـ:
إقرأ أيضا:مُراقبة الله تعالى- أن الله خالق كل شيء، وهو الذي قدَّر الأقدار.
- أن للإنسان مشيئة واختيارًا، لكنها تحت مشيئة الله تعالى.
- أن العبد مُحاسب على اختياره، لأنه فعل باختياره.
قال الإمام أحمد: “الأمر بين الأمرين، لا جبر ولا تفويض، بل أمرٌ بين أمرين”.
خامسًا: الانحرافات العقدية في مسألة التخيير والتسيير
1- مذهب الجبرية (المجبرة)
- معتقدهم: أن العبد مجبر على أفعاله، وليس له اختيار.
- الرد عليهم: هذا ينافي الحكمة والعدل، فكيف يُعذِّب الله مَن لا ذنب له؟!
2- مذهب القدرية (نفاة القدر)
- معتقدهم: أن العبد يخلق أفعاله بنفسه، والله لا دخل لها!
- الرد عليهم: هذا ينافي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: 96).
سادسًا: التوفيق الصحيح بين التخيير والتسيير
- الله خالق كل شيء، وهو الذي قدَّر الأقدار.
- الإنسان يملك مشيئة وفعلًا، لكنها لا تخرج عن قدر الله.
- المسؤولية على العبد لأنه يختار بملء إرادته.
الخاتمة
مسألة التخيير والتسيير من أعظم مسائل العقيدة، ويجب على المسلم أن يعتقد:
إقرأ أيضا:الشكر لله تعالى: نور الإيمان وزيادة النعم- أن الله هو الخالق القدير، وقد كتب المقادير.
- وأن له اختيارًا وإرادة، لكنها تحت مشيئة الله.
- وأنه سيُحاسب على اختياره يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: 286).
فاللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
