السياحة في البلاد الأجنبية: الحكم الشرعي وأدلته وآراء العلماء وضوابطه
تُعدّ السياحة في البلاد الأجنبية –أي السفر إليها للترفيه والاستجمام والاطلاع على الآثار والطبيعة– من المسائل المعاصرة في الفقه الإسلامي، حيث لم يكن لها نظير واضح في عصر النبوة والصحابة. والأصل في السفر الإباحة إذا كان لغرض مباح، لكنها مقيدة بشرط الأمان على الدين والنفس والعرض، مع الحرص على أداء الفرائض وتجنب المحرمات.
الدليل من الكتاب والسنة
استدل العلماء على جواز السفر المباح بأدلة عامة، منها قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} (سورة العنكبوت: 20)، وقوله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ} (سورة الملك: 15)، فالسير في الأرض مشروع للاعتبار والانتفاع.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسافر للتجارة قبل البعثة، وسافر الصحابة إلى بلاد الروم والفرس للتجارة والدعوة، مع الحفاظ على دينهم. أما النهي عن السفر إلى بلاد الكفار في حديث: “أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين” (رواه أبو داود والترمذي)، فهو مقيد بالإقامة الدائمة أو الخوف على الدين، لا بالسفر المؤقت.
آراء الفقهاء في السياحة إلى البلاد الأجنبية
اختلف العلماء المعاصرون في حكم السياحة الترفيهية إلى بلاد غير المسلمين، وخلاصة أقوالهم:
إقرأ أيضا:حكم مصافحة الأجنبية في الإسلام- ذهب بعض العلماء إلى التحريم أو الكراهة الشديدة إذا كانت البلاد مليئة بالمحرمات الظاهرة كالخمور والزنا والمجاهرة بالمعاصي، للخوف على الدين والعرض، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر”، مع صعوبة أداء الشعائر في بعض البلاد.
- أما الراجح عند كثير من المعاصرين، كالشيخ يوسف القرضاوي والشيخ محمد الغزالي، فجوازها إذا توفرت الشروط، لأن الأصل في السفر الإباحة، وفيه فوائد كالاطلاع على خلق الله والراحة النفسية.
- قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: “السفر إلى بلاد الكفار للسياحة مكروه أو محرم إذا كان فيه اختلاط محرم أو خوف فتنة، ويجب الحذر”.
- وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: “إذا أمن المسلم على دينه وعرضه، وكان السفر لمصلحة مباحة، فلا بأس، لكن يُكره إذا كانت البلاد مليئة بالفساد”.
- وفي فتاوى اللجنة الدائمة وإسلام ويب: “يجوز السفر للسياحة إلى بلاد الكفار إذا أمن على دينه، ولم يكن في السفر محرم، مع الحرص على أداء الفرائض”.
والعلة الرئيسية في الجواز مع الشروط هي دفع الملل والراحة، وفي المنع الخوف من الفتنة والتأثر بالكفر.
الضوابط الشرعية للسياحة في البلاد الأجنبية
- أن يكون الغرض مباحًا، كالترفيه والاطلاع، لا الوقوع في محرمات.
- الأمان على الدين: أن يتمكن من أداء الصلاة والصيام والحجاب، وتجنب المحرمات الظاهرة.
- الأمان على النفس والعرض: عدم الخوف من الاعتداء أو الفتنة، خاصة للنساء والشباب.
- مراعاة الضرورة: إذا كانت السياحة في بلاد إسلامية ممكنة، فهي أولى.
- تجنب المحرمات أثناء السفر: كالاختلاط المحرم، أو زيارة أماكن الفساد، أو أكل المحرم.
- استحباب السفر مع محرم للمرأة، أو في جماعة.
الخلاصة
الراجح عند كثير من أهل العلم جواز السياحة في البلاد الأجنبية إذا توفرت الشروط الشرعية، كالأمان على الدين والعرض، والحرص على أداء الفرائض وتجنب المحرمات، لأن الأصل في الأمور الإباحة. أما إذا كان فيها خطر على الدين أو مجاهرة بالمعاصي، فهي مكروهة أو محرمة. فعلى المسلم التثبت والاحتياط في دينه، والاستفادة من السفر في الاعتبار والدعوة بالقدوة الحسنة. والله أعلم.
إقرأ أيضا:النظر إلى النساء: الحكم الشرعي وأدلته وآراء الفقهاء وضوابطه