العنف ضد المرأة من منظور إسلامي
يُعد العنف ضد المرأة من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تهدد استقرار الأسر والمجتمعات، ويحتل مكانة بارزة في النقاشات العالمية المعاصرة. إن الإسلام، كدين الرحمة والعدل، يرفض العنف ضد المرأة رفضًا مطلقًا، ويضع لها مكانة رفيعة تجعل أي إيذاء لها جريمة شرعية كبرى. فقد كرم الله تعالى المرأة في القرآن الكريم، وأمر بالرفق بها والمعاشرة بالمعروف، قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [سورة النساء: 19]. هذا الأمر الإلهي يؤسس لعلاقة زوجية قائمة على المودة والرحمة، ويجعل العنف ضد المرأة مخالفًا لروح الشريعة الإسلامية الغراء.
جاء الإسلام ليُنهي ظلم الجاهلية تجاه المرأة، حيث كانت تُقتل أو تُباع أو تُهان دون رادع. فأعزّها النبي صلى الله عليه وسلم وأوصى بها خيرًا، فقال في خطبة الوداع: “أَلاَ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ”، أي أسيرات أُخذن بأمان الله. وفي حديث آخر: “خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي”. هذه النصوص تجعل الرفق بالمرأة مقياسًا لكمال الرجل وإيمانه.
أنواع العنف ضد المرأة وحكمها الشرعي
العنف ضد المرأة يأخذ أشكالاً متعددة، والإسلام يحرّمها جميعًا بدلائل واضحة:
أولاً: العنف الجسدي يُحرم ضرب المرأة أو إيذاؤها بدنيًا تحت أي ذريعة. والآية الكريمة {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [سورة النساء: 34] فسرها العلماء بأن الضرب – إن وجد – غير مبرح وغير مؤذٍ، وهو آخر الحلول بعد الوعظ والهجر، وقد نسخ عمليًا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: “لن يضرب خياركم”. كما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تضربوا إماء الله”. وفي عصرنا، أفتت المجامع الفقهية بتحريم الضرب مطلقًا لما يترتب عليه من أضرار نفسية وبدنية.
إقرأ أيضا:ترشيد استهلاك الماء: أهمية الحفاظ على الماء ونصائح شرعية وعمليةثانيًا: العنف النفسي يشمل السباب، التحقير، التهديد، والإهمال العاطفي. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أذى المسلم بلسانه، فقال: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”. والزوجة أولى بهذا الحفظ. كما حرم الإسلام الغيرة المرضية والشك الدائم الذي يؤدي إلى التضييق، وأمر بالثقة المتبادلة. قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [سورة التوبة: 71].
ثالثًا: العنف الاقتصادي حرمان المرأة من نفقاتها الواجبة أو إرثها أو أجر عملها جريمة شرعية. أوجب الله النفقة على الزوج مهما كانت المرأة غنية، قال تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [سورة البقرة: 233]. ومنع المرأة من التصرف في مالها أو التعليم أو العمل المباح مخالف لقوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} [سورة النساء: 32].
رابعًا: العنف الجنسي إجبار الزوجة على معاشرة غير مشروعة أو في حال كراهيتها الشديدة محرم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يحل لامرئ أن يجامع امرأته وهي كارهة”. كما يحرم الاغتصاب الزوجي تمامًا عند أكثر الفقهاء المعاصرين.
موقف السيرة النبوية من العنف ضد المرأة
كان النبي صلى الله عليه وسلم قمة الرفق بأهله. روت عائشة رضي الله عنها: “ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خادمًا ولا امرأة قط”. وكان يساعد في أعمال البيت، يخصف نعله ويخيط ثوبه، ويقول: “أعينوا نساءكم في البيت”. وعندما خاصمته زوجاته، هجرهن شهرًا بالموعظة لا بالعنف، ثم خيّرهن بالرفق والصبر. هذا النموذج العملي يعلّم المسلمين أن القوامة مسؤولية حماية ورعاية لا سيطرة وإيذاء.
إقرأ أيضا:المرأة في تاريخ الفقه الإسلامي: دورها العلمي والاجتهادي عبر العصوردور الأسرة والمجتمع في منع العنف ضد المرأة
أوصى الإسلام الأولياء بحماية المرأة قبل الزواج، واختيار الزوج الصالح. كما أوجب على القضاء والمجتمع التدخل لحمايتها، فيجوز لها رفع دعوى التفريق للضرر. وقد أفتى علماء العصر بجواز اللجوء إلى الجهات الرسمية والمراكز الشرعية لحماية المرأة من العنف. كما حث الإسلام على التوعية الأسرية وتعليم الأبناء احترام الأم والأخت منذ الصغر.
نصائح عملية للأزواج والزوجات لتجنب العنف
- تعلم لغة الحوار الهادئ والاستماع المتبادل.
- اللجوء إلى التحكيم الأسري عند أول خلاف {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [سورة النساء: 35].
- قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة أهله يوميًا.
- الدعاء بين الزوجين لصلاح الحال وسكينة القلب.
- طلب المشورة من العلماء أو المختصين النفسيين عند الحاجة.
- تذكّر أن الصبر على الزوجة سبب لدخول الجنة، كما في حديث: “من صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله من الأجر مثل ما أعطى أيوب على بلائه”.
دور المرأة في حماية نفسها شرعيًا
للمرأة حق الشكوى واللجوء إلى القاضي، ويجوز لها طلب الخلع إذا خافت الضرر. كما يحق لها وضع شروط في عقد الزواج تمنع العنف أو تضمن حقوقها. وعليها أن تختار الزوج ذا الخلق والدين، كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه”.
إقرأ أيضا:التسامح مع الآخر: مبدأ شرعي ومنهج نبوي في القرآن والسنةفي الختام، إن العنف ضد المرأة من منظور إسلامي جريمة شنعاء تخالف القرآن والسنة وأخلاق النبوة. الإسلام جعل الأسرة واحة مودة ورحمة، والحفاظ على كرامة المرأة واجب ديني وإنساني. فعلى كل مسلم أن يتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في الرفق بأهله، ويتذكر قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [سورة الروم: 21]. نسأل الله أن يصلح بيوت المسلمين ويملأها بالمودة والسكينة.
