آيات الأحكام

القول في البسملة

القول في البسملة

مقدمة

البسملة، وهي قول: “بسم الله الرحمن الرحيم”، تُعد من أعظم الذكر في الإسلام، حيث تمثل بداية كل عمل مبارك وتعبيرًا عن التبرك والاستعانة بالله سبحانه وتعالى. وردت البسملة في القرآن الكريم في سورة النمل (الآية 30)، كما تتصدر جميع سور القرآن عدا سورة التوبة. ترتبط البسملة ارتباطًا وثيقًا بالحياة اليومية للمسلم، فهي تُقال في بداية تلاوة القرآن، العبادات، والأعمال الدنيوية المباحة. يهدف هذا المقال إلى استعراض مفهوم البسملة، حكمها، صيغتها، أوقاتها، أهميتها، وآراء العلماء في مسائلها، مع تسليط الضوء على دورها في حياة المسلم.

مفهوم البسملة

البسملة في اللغة مشتقة من “بسم”، وهي صيغة مختصرة للتبرك والاستعانة باسم الله. وفي الاصطلاح الشرعي، هي قول: “بسم الله الرحمن الرحيم”، وهي تعبير عن الافتتاح بالله والتوكل عليه في كل أمر. كلمة “الله” تشير إلى الذات الإلهية العلية، و”الرحمن” و”الرحيم” صفتان تدلان على رحمة الله الواسعة التي تشمل الخلق أجمعين. البسملة إذن هي إعلان بأن كل عمل يبدأ باسم الله، مما يمنحه البركة والتوفيق.

حكم البسملة

اختلف العلماء في حكم البسملة في سياقات مختلفة، ويمكن تلخيص آرائهم كما يلي:

  1. في تلاوة القرآن:

    • الوجوب: ذهب الإمام الشافعي وبعض العلماء إلى أن البسملة آية من القرآن في بداية كل سورة (عدا سورة التوبة)، وبالتالي فهي واجبة عند تلاوة القرآن، خاصة في الصلاة. يستدلون بأنها جزء من سورة الفاتحة، ووردت في مصحف عثمان رضي الله عنه.

      إقرأ أيضا:الطلاق قبل الدخول
    • الاستحباب: ذهب الحنفية والمالكية وبعض الحنابلة إلى أن البسملة ليست آية من القرآن إلا في سورة النمل، وأن قولها قبل التلاوة مستحب وليس واجبًا. يستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ أحيانًا بدونها في الصلاة.

  2. في الصلاة:

    • يرى الشافعية أن البسملة تُقال سرًا قبل سورة الفاتحة في كل ركعة، وهي جزء من الفاتحة.

    • يرى الحنفية والمالكية أنها تُستحب سرًا قبل الفاتحة، لكنها ليست جزءًا منها.

    • الحنابلة يرون أنها تُقال سرًا، لكن ليست واجبة.

  3. في الأعمال الدنيوية:

    • اتفق العلماء على استحباب البسملة في بداية الأعمال المباحة، مثل الأكل، الشرب، الوضوء، وغيرها، لما ورد في الحديث: “كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر” (رواه الخطيب البغدادي).

صيغة البسملة

الصيغة المأثورة هي: “بسم الله الرحمن الرحيم”، وهي الصيغة الواردة في القرآن والسنة. ومع ذلك، أجاز بعض العلماء صيغًا مختصرة في الأعمال الدنيوية، مثل: “بسم الله”. وفي بعض الأحاديث، وردت صيغ إضافية، مثل: “بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك” عند دخول المسجد. يُفضل التمسك بالصيغة المأثورة لما فيها من البركة والامتثال.

إقرأ أيضا:ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء

أوقات البسملة

تُستحب البسملة في عدة مواضع، منها:

  1. قبل تلاوة القرآن: تُقال البسملة قبل بدء تلاوة أي سورة (عدا سورة التوبة)، للتبرك والاستعانة بالله.

  2. في الصلاة: تُقال سرًا قبل قراءة الفاتحة في الركعة الأولى، ويجوز قولها في كل ركعة عند الشافعية.

  3. عند بدء الأعمال المباحة: مثل الأكل، الشرب، الذبح، ركوب السيارة، أو دخول المنزل. ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: بسم الله” (رواه أبو داود).

  4. عند الوضوء والعبادات: تُستحب البسملة في بداية الوضوء، الغسل، والذبح، لما في ذلك من البركة.

  5. في المواقف اليومية: مثل بدء الكتابة، الدراسة، أو أي عمل ذي أهمية.

أهمية البسملة

  1. التبرك والاستعانة بالله: البسملة تعبير عن التوكل على الله والاستعانة به في كل أمر، مما يجلب البركة والتوفيق.

  2. تحصين النفس: قول البسملة يحمي المسلم من شر الشيطان، كما في الحديث: “سدُّوا الأبواب، وأوكوا الأسقية، وأطفئوا المصابيح، وذكروا اسم الله” (رواه البخاري).

    إقرأ أيضا:وأحل الله البيع
  3. تعزيز الوعي الإيماني: البسملة تذكّر المسلم بأن كل عمل يجب أن يكون موجهًا لله، مما يعزز الإخلاص في الأعمال.

  4. الامتثال للسنة: قول البسملة هو اتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي عبادة تقرب العبد إلى ربه.

آراء العلماء في مسائل متعلقة بالالبسملة

  1. هل البسملة آية من الفاتحة؟:

    • الشافعية: البسملة آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة، ويجب قراءتها في الصلاة.

    • الحنفية والمالكية: ليست آية من الفاتحة، وإنما تُقال للتبرك.

    • الحنابلة: تُقال سرًا، وليست جزءًا واجبًا من الفاتحة.

  2. الجهر أو السر بالبسملة في الصلاة:

    • الشافعية: يُستحب الجهر بها في الصلاة الجهرية إذا كان الإمام يقرأ جهرًا.

    • الحنفية والمالكية والحنابلة: تُقال سرًا في جميع الصلوات.

  3. البسملة بين السورتين:

    • يرى الشافعية وجوب قول البسملة بين السورتين في القراءة، بينما يرى الحنفية والمالكية أنها مستحبة.

كيفية تطبيق البسملة في الحياة اليومية

  1. المداومة على البسملة: يُنصح بجعل البسملة عادة يومية قبل كل عمل مباح، سواء كان أكلًا، شربًا، أو بدء عمل جديد.

  2. تعليم البسملة: يجب على الآباء والمعلمين تعليم الأطفال والطلاب أهمية البسملة وصيغتها الصحيحة.

  3. الجمع مع الأذكار: يُستحب الجمع بين البسملة وأذكار أخرى، مثل أذكار الصباح والمساء، لتحصين النفس.

  4. الإخلاص في قولها: ينبغي قول البسملة بقلب حاضر ونية خالصة لتحقيق البركة والقرب من الله.

التحديات في تطبيق البسملة

  1. الغفلة عن قولها: قد ينسى البعض قول البسملة بسبب الانشغال أو عدم الوعي بأهميتها. يمكن التغلب على ذلك بتعويد النفس عليها.

  2. الجهل بأحكامها: قد لا يعرف البعض متى تُقال البسملة أو كيفية قولها في الصلاة. يُنصح بالتثقيف الديني من خلال دراسة الفقه.

  3. التساهل في الأعمال اليومية: قد يتساهل البعض في قول البسملة في الأمور البسيطة مثل الأكل أو الشرب. يُنصح بتعزيز الوعي بأهميتها.

خاتمة

البسملة، بصيغتها العظيمة “بسم الله الرحمن الرحيم”، هي مفتاح البركة والتوفيق في حياة المسلم. إنها تعبير عن التوكل على الله والاستعانة به في كل أمر، سواء كان عبادة أو عملًا دنيويًا. من خلال الالتزام بها، يتحقق للمسلم التحصين من الشرور، التقرب إلى الله، ونيل البركة في أعماله. فلنجعل البسملة شعارًا يرافقنا في كل خطوة، ولنحرص على تعليمها للأجيال القادمة لضمان استمرار هذا المنهج الإلهي.

السابق
قراءة الفاتحة في الصلاة
التالي
القول في الاستعاذة: دراسة شرعية شاملة